لم تكن الأوطان يوما مجرد خطوط جغرافية ترسم على الخرائط، ولا مساحات من الأرض نعيش عليها ونتنفس هواها فحسب، بل هي كيان حي ينبض بروح جماعية تتشكل من أفكار أبنائه وسلوكياتهم اليومية. إن الأمة الحقيقية لا تقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية أو ثروات مادية، وإنما تقاس بالضمير الذي يحرك أفرادها، وفي قلب هذا الضيمر يقبع التحول الذهني والسلوكي الأهم في تاريخ النهضات الإنسانية: الانتقال من ثقافة الـ “أنا” الفردية إلى ثقافة الـ “نحن” الجماعية الشاملة.
عندما تتغلب روح “أنا” على مجتمع ما، يصاب ذلك المجتمع بما يشبه الشلل العضوي، تعني “أنا” في جوهرها البسيط أن يرى الإنسان العالم من حوله من خلال ثقب إبرة مصالحه الشخصية المباشرة فقط، غير منشغل بما يلحق بالآخرين أو بالبيئة المحيطة من أضرار، لذلك فإن الانكفاء على الذات يجعل العلاقات الإنسانية قائمة على المنفعة المؤقتة، وتغيب قيم التضامن والتكافل، وتصبح المصلحة العامة مجرد كلمة رنانة يحتفى بها في المناسبات وتنسى في ممارسات الحياة اليومية.
في المقابل، فإن الانتقال إلى مرحلة “نحن” لا يعني أبدا محو شخصية الفرد أو طمس طموحاته وأحلامه الخاصة، كما قد يظن البعض، بل على العكس تماما، إن ثقافة “نحن” تمنح الفرد حماية أكبر وفرصا أوسع للنمو والنجاح، “نحن” تعني ببساطة أن يدرك الإنسان أن نجاحه الشخصي وأمنه ورفاهيته معتمدة بشكل وثيق على نجاح وأمن ورفاهية المجتمع الذي يعيش فيه.
نجد هذا التحول في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة التي يمارسها المواطن بوعي وتلقائية، في الشارع العام على سبيل المثال، تعني الـ “أنا” أن يعتبر الفرد نافة بيته هي حدود مسؤوليته، فيلقي القمامة في الطريق العام دون اكتفاء بجمال المكان أو صحة الآخرين، بينما تعني الـ “نحن” أن يستشعر أن الشارع هو امتداد لبيته الخاص، فيحافظ على نظافته ويحمي ممتلكاته العامة لأنها ملك للجميع.
أما في ميدان العمل والمؤسسات، فإن الفرق بين المفهومين هو الفاصل الدقيق بين التخلف والتقدم، عندما يفكر الموظف أو العامل بعقلية “أنا”، فإنه يؤدي واجبه بحدوده الأدنى لمجرد استلام الراتب في نهاية الشهر، وربما يتنصل من المسؤولية أو يتهرب من أداء مهامه إذا غاب الرقيب، أما عندما يمتلئ بعقلية “نحن”، فإنه يدرك أن جودة عمله وإتقانه لمسؤولياته هي حلقة في سلسلة طويلة من الجهود المتبادلة التي تبني الاقتصاد وتطور الخدمات، فيرى في نجاح مؤسسته ووطنه نجاحا شخصيا يفتخر به، المعلم الذي ينظر إلى طلابه بـ “نحن” لا يكتفي بإلقاء الدروس، بل يبني عقولا ويصنع أجيالا، والطبيب الذي يتعامل بـ “نحن” يرى في ألم المريض دافعا إنسانيا وأخلاقيا قبل أن يكون واجبا وظيفيا.
تنعكس هذه الفلسفة أيضا على الاقتصاد والتنمية المستدامة، الأوطان التي تقوم على الـ “أنا” تستهلك مواردها دون تفكير في المستقبليين، حيث يسعى الجميع لجني الأرباح السريعة والسهلة حتى لو كان ذلك على حساب تلوث البيئة أو نفاد الثروات، بينما الأوطان التي تتأسس على الـ “نحن” تبني استراتيجيات طويلة الأجل، وتحافظ على حق الأجيال القادمة في المياه النظيفة والبيئة السليمة والاقتصاد القوي، إنها فكرة المسؤولية الممتدة عبر الزمن، حيث يزرع الآباء الأشجار وهم يعلمون أنهم قد لا يجلسون تحت ظلالها، ولكن أبناءهم وأحفادهم هم من سيستظلون بها.
والأهم من ذلك أن الانتقال من «أنا» إلى «نحن» لا يحتاج إلى أعمال خارقة، يبدأ بخطوات صغيرة يستطيع كل شخص القيام بها. أن نؤدي عملنا بإتقان، وأن نحترم الكبير والصغير، وأن نساعد من يحتاج إلى المساعدة، وأن نحافظ على الممتلكات العامة، وأن نتوقف عن نشر الشائعات، وأن نختلف من دون إساءة، وأن نعترف بالخطأ عندما نخطئ، هذه السلوكيات اليومية قد لا تبدو مؤثرة إذا نظرنا إلى كل واحدة منها منفردة، لكنها عندما تصبح ثقافة عامة فإنها تغير شكل المجتمع.
كذلك نحن بحاجة إلى أن نتعلم احترام الاختلاف، فالوطن لا يمكن أن يكون نسخة واحدة من الأشخاص والأفكار والآراء، الناس مختلفون في طباعهم وتجاربهم وأفكارهم وطموحاتهم، وهذا أمر طبيعي، المهم ألا يتحول الاختلاف إلى كراهية أو صراع دائم، يمكن أن نختلف ونبقى أبناء وطن واحد، ويمكن أن ننتقد دون أن نهدم، وأن نطالب بالإصلاح دون أن نفقد احترامنا لبعضنا البعض.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يفقد أفراده الثقة في فكرة العمل المشترك، عندما يعتقد كل شخص أن الآخرين لا يهتمون إلا بأنفسهم، فإنه يبدأ بدوره في التفكير بالطريقة نفسها، وتدخل المجتمعات في دائرة من الأنانية يصعب الخروج منها. لذلك فإن كل سلوك إيجابي يفعله الإنسان أمام الآخرين يمكن أن يكون رسالة عملية تقول إن التعاون ما زال ممكنا، وإن احترام الناس لبعضهم البعض ليس أمرا مستحيلا.
الوطن في النهاية ليس الحكومة وحدها، وليس المؤسسات وحدها، وليس المواطن وحده، الوطن هو العلاقة التي تجمع كل هذه الأطراف، وهو المساحة التي نعيش فيها جميعا ونتقاسم مسؤولية الحفاظ عليها وتطويرها، وكلما زاد شعور الإنسان بأنه شريك في هذا الوطن، لا مجرد مستفيد منه، أصبح أكثر استعدادا للعمل والإنتاج والتعاون وتحمل المسؤولية.
نحن لا نحتاج إلى أن نتخلى عن أحلامنا الشخصية حتى نبني وطنا قويا، بل نحتاج إلى أن نفهم أن نجاحنا الفردي يصبح أكثر قيمة عندما يضيف شيئا إلى المجتمع. ليس المطلوب أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها، وإنما أن يتفقوا على مجموعة من القيم البسيطة: احترام القانون، احترام الإنسان، إتقان العمل، الحفاظ على المال والممتلكات العامة، مساعدة الآخرين، والحرص على مستقبل الأجيال القادمة.







