تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
العقل الذي لا يفكر دائما كما نظن
يعد كتاب Thinking Fast and Slow أو التفكير السريع والبطيء لدانيال كانمان من أهم الكتب التي غيرت طريقة فهمنا لاتخاذ القرار لأنه يكشف أن الإنسان لا يفكر دائما بعقلانية كاملة كما يحب أن يتصور بل يقع تحت تأثير انحيازات نفسية واختصارات ذهنية تجعله يخطئ في الحكم حتى وهو يشعر بثقة كبيرة في نفسه.
تصف صفحة الناشر الرسمية الكتاب بأنه جولة داخل العقل تشرح النظامين اللذين يشكلان طريقة تفكيرنا حيث يكون النظام الأول سريعا وحدسيا وعاطفيا بينما يكون النظام الثاني أبطأ وأكثر تأنيا ومنطقية.
نظام سريع ونظام بطيء
الفكرة الأساسية في الكتاب تقوم على تقسيم التفكير إلى نظامين يعملان معا داخل العقل فالنظام الأول سريع وتلقائي ويعمل بجهد قليل ويعتمد على الانطباع الأول والحدس والمشاعر والخبرة السابقة أما النظام الثاني فهو بطيء وتحليلي ويحتاج إلى تركيز وجهد ويظهر عند الحساب والمقارنة والتفكير العميق.
المشكلة أن الإنسان يميل إلى الاعتماد على النظام الأول لأنه مريح وسريع لكنه قد يصبح مضللا في القرارات المعقدة أو المواقف التي تحتاج إلى بيانات واضحة ولذلك لا يدعو الكتاب إلى إلغاء الحدس بل إلى معرفة حدوده ومتى يجب أن نتوقف ونمنح التفكير البطيء فرصة كي يراجع الانطباع الأول.
قوة الانطباع الأول
يوضح كانمان أن العقل يحب تكوين القصص المتماسكة بسرعة حتى عندما تكون المعلومات ناقصة وقد نحكم على شخص أو فرصة أو موقف من لحظة أولى ثم نبدأ بعد ذلك في جمع الأدلة التي تؤكد حكمنا بدلا من أن نختبره بإنصاف.
هذا الميل يجعل الثقة أحيانا أخطر من الجهل لأن العقل حين يكوّن قصة مريحة يشعر أنه فهم الحقيقة كلها بينما ما حدث فعليا أنه ملأ فراغات كثيرة بتفسيرات تبدو منطقية لكنها قد تكون بعيدة عن الواقع.
الانحيازات التي تسكن القرار
يعرض الكتاب عددا من الانحيازات الذهنية التي تؤثر في أحكامنا مثل انحياز التوفر حيث نبالغ في تقدير احتمال شيء ما لمجرد أن أمثلته حاضرة في الذاكرة ومثل انحياز التثبيت حيث تؤثر المعلومة الأولى أو الرقم الأول في تقديراتنا اللاحقة حتى لو كان غير دقيق.
وتظهر أهمية هذه الانحيازات في أنها لا تصيب الجاهل وحده بل تصيب الجميع لأن العقل يستخدم طرقا مختصرة لتوفير الجهد وهذه الطرق قد تكون مفيدة في مواقف كثيرة لكنها قد تخدعنا عندما نحتاج إلى حكم أدق أو قرار أكثر تعقيدا.
الخسارة أقوى من المكسب
من أشهر أفكار الكتاب أن الإنسان يتألم من الخسارة أكثر مما يفرح بمكسب مساو لها وهذا يفسر لماذا يتمسك البعض بقرار خاطئ فقط لأن الاعتراف بالخسارة مؤلم أو لماذا يرفض آخرون فرصة جيدة بسبب خوف مبالغ فيه من احتمال سلبي صغير.
هذه الفكرة مهمة في الاستثمار والعمل والعلاقات لأنها تكشف أن القرار لا يقوم على الحساب وحده بل يتأثر بالشعور الداخلي تجاه الخسارة والندم والاعتراف بالخطأ ولذلك قد يصبح التحرر من الخسارة النفسية أصعب من الخسارة المالية نفسها.
طريقة العرض تغير الحكم
ينبه الكتاب إلى أن طريقة عرض المعلومة قد تغير القرار حتى عندما تكون الحقيقة الحسابية واحدة فقد يتفاعل الناس بشكل مختلف إذا قيل لهم إن فرصة النجاح كبيرة مقارنة بما إذا قيل لهم إن احتمال الفشل موجود رغم أن المعنى الرقمي قد يكون متقاربا.
هذا ما يجعل الكتاب مهما في الإعلام والتسويق والسياسة والإدارة لأن الإنسان لا يستجيب للوقائع فقط بل يستجيب أيضا للإطار الذي توضع فيه هذه الوقائع وللغة التي تجعله يشعر بالأمان أو الخوف أو المكسب أو الخسارة.
الثقة الزائدة ووهم الفهم
يرى كانمان أن العقل يميل إلى المبالغة في قدرته على تفسير الماضي وتوقع المستقبل فنحن نرى الأحداث بعد وقوعها وكأنها كانت واضحة منذ البداية ثم نصدق أننا كنا نستطيع التنبؤ بها.
هذا الوهم يجعل الناس يثقون أكثر مما ينبغي في توقعاتهم الاقتصادية أو قراراتهم الاستثمارية أو أحكامهم على الآخرين بينما الواقع أكثر تعقيدا من القصة البسيطة التي يصنعها العقل بعد انتهاء الحدث.
متى نحتاج إلى التفكير البطيء
لا يعني الكتاب أن النظام السريع سيئ في كل الأحوال فهو ضروري للحياة اليومية ويساعدنا على التصرف بسرعة في مواقف كثيرة لكن الخطر يظهر عندما نستخدمه في قرارات تحتاج إلى تحليل ومقارنة وأرقام ومراجعة.
لذلك يترك الكتاب للقارئ درسا عمليا مهما وهو أن القرارات الكبرى في المال والعمل والصحة والعلاقات لا يجب أن تترك بالكامل للانطباع الأول بل تحتاج إلى تباطؤ مقصود وأسئلة واضحة وربما رأي آخر يساعدنا على رؤية ما لا يراه حدسنا.
ما يميز الكتاب وما يمكن مناقشته
قوة Thinking Fast and Slow أنه يقدم لغة سهلة لفهم أخطاء التفكير اليومية ويجعل القارئ ينتبه إلى ما يحدث داخل عقله عندما يحكم بسرعة أو يثق أكثر من اللازم أو ينجرف وراء صياغة معينة للمعلومة وقد ذكرت صفحة الناشر أن الكتاب يتناول أثر الثقة الزائدة وصعوبات التنبؤ بما يجعلنا سعداء وتأثير الانحيازات المعرفية في قرارات العمل والحياة.
ويمكن مناقشة أن بعض الأبحاث النفسية التي اشتهرت في حقبة الكتاب تعرضت لاحقا لنقاشات علمية واسعة حول قابلية التكرار والتعميم ولذلك من الأفضل قراءة الكتاب باعتباره عملا تأسيسيا مؤثرا في فهم الحكم والقرار مع الانتباه إلى أن العلم نفسه يتطور ويراجع أدواته باستمرار.
ما يبقى بعد القراءة
عندما تنتهي قراءة التفكير السريع والبطيء يبقى في الذهن أن التفكير الجيد لا يعني أن نثق في العقل بلا حدود ولا أن نلغي الحدس تماما بل أن نعرف متى يكون الحدس مساعدا ومتى يكون فخا.
فالكتاب يعلمنا أن أخطر القرارات ليست بالضرورة تلك التي نتردد فيها بل التي نتخذها بسرعة ونحن واثقون جدا من صحتها وأن الحكمة أحيانا تبدأ من سؤال بسيط هل أنا أفكر فعلا أم أن عقلي السريع قرر ثم جعلني أبحث عن مبررات.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: Thinking Fast and Slow
المؤلف: Daniel Kahneman
دار النشر: Farrar Straus and Giroux
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2011
عدد الصفحات: 512 صفحة
ISBN: 9780374275631







