قراءة في كتاب المأدبةــ فلسفة الحب ـــأفلاطون

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها

تبدأ محاورة “المأدبة” في أجواء مختلفة عن الصورة التقليدية التي نتخيلها للفلسفة، نحن أمام وليمة أقامها الشاعر أغاثون احتفالا بفوزه في مسابقة شعرية، واجتمع حوله عدد من أصدقائه ومفكري أثينا، وكان من بينهم سقراط، وبعد الطعام اتفق الحاضرون على أن يتحدث كل واحد منهم عن الحب، وأن يقدم مديحا لإيروس، إله الحب عند اليونانيين، لكن أفلاطون لا يجعل المأدبة مجرد مناسبة للحديث عن العلاقات العاطفية، بل يحولها تدريجيًا إلى رحلة فلسفية تسأل عن معنى الحب، وما الذي يريده الإنسان عندما يحب، ولماذا يبحث عن الجمال، وهل الحب غايته شخص بعينه أم أنه يقود الإنسان إلى شيء أكبر من الشخص الذي أحبه

يبدأ فايدروس بالحديث عن الحب باعتباره من أعظم القوى التي يمكن أن تؤثر في الإنسان، فهو يرى أن الحب يجعل الإنسان أكثر استعدادا للتضحية، وأن العاشق قد يقدم على أعمال عظيمة خوفا من أن يبدو جبانا أمام من يحب، ومن وجهة نظره، فإن وجود المحبوب يمكن أن يجعل الإنسان أفضل، لأن الإنسان لا يريد أن يخسر احترام الشخص الذي يحبه، وهكذا يصبح الحب قوة أخلاقية قادرة على دفع الإنسان إلى الشجاعة والفضيلة

ثم يأتي بوزانياس ليقدم رؤية أكثر تعقيدا، فيرفض أن يكون كل حب شيئا واحدا، فهناك حب يقوم على الرغبة العابرة والجسد، وهناك حب يتجه إلى العقل والشخصية والفضيلة، ولذلك لا ينبغي أن نحكم على الحب من اسمه فقط، وإنما علينا أن ننظر إلى غايته والطريقة التي يمارس بها، الحب الذي يجعل الإنسان متعلقا بالجسد وحده ينتهي بانتهاء الجمال الجسدي، أما الحب الذي يتعلق بالشخصية والعقل والفضيلة فيمكن أن يصبح علاقة أكثر استقرارا وقيمة.

بعد ذلك يتحدث الطبيب إريكسماخوس، ويحاول أن يوسع مفهوم الحب بحيث لا يظل مقصورا على العلاقة بين شخصين، فالحب، في تصوره، موجود في الطبيعة والطب والموسيقى وحتى في انسجام الأشياء، الصحة نفسها تقوم على توازن بين عناصر مختلفة، والمرض يحدث عندما يختل هذا التوازن، وبذلك يتحول الحب من مجرد شعور عاطفي إلى مبدأ من مبادئ الانسجام والنظام، ما يجمع الأشياء بطريقة متوازنة يمكن اعتباره نوعا من الحب، وما يؤدي إلى الصراع والاضطراب يمثل صورة من صور الانقسام.

ثم يقدم أريسطوفان واحدا من أشهر التصورات في المحاورة، يحكي أسطورة الإنسان الأول الذي كان، بحسب الرواية الأسطورية، مختلفا عن الإنسان الحالي، وكان أقوى وأكثر اكتمالا، ثم عاقبه زيوس بشطره إلى نصفين، ومنذ ذلك الوقت أصبح كل نصف يبحث عن النصف الاخر الذي فقده، ومن هنا يفسر أريسطوفان الحب باعتباره رغبة في استعادة اكتمال مفقود، عندما يحب الإنسان شخصا اخر، فإنه يشعر وكأنه وجد جزءا منه كان غائبا عنه، ولذلك يبدو الحب أحيانا وكأنه عودة إلى شيء قديم فقدناه دون أن نعرف بالضبط ما هو

هذه الصورة جعلت فكرة “البحث عن نصفنا الآخر” مرتبطة طويلا بفكرة الحب الرومانسي، لكن أفلاطون لا يجعلها الكلمة الأخيرة في المحاورة، فهي تفسر جانبا من التجربة الإنسانية، لكنها لا تشرح بصورة كاملة لماذا نحب، ولا لماذا قد يتحول الحب من تعلق بشخص معين إلى رغبة في الجمال والمعرفة والحكمة

بعد أريسطوفان يأتي أغاثون، صاحب المأدبة، فيلقي خطابا شديد الجمال في مدح إيروس، فهو يصف الحب بأنه جميل ورقيق وشاب، وأنه مصدر الفضائل والأشياء الجميلة، لكن سقراط، الذي ينتظر دوره، لا يكتفي بجمال الكلام، بل يبدأ في تفكيك الافتراضات التي قام عليها خطاب أغاثون، وهنا يتغير أسلوب المحاورة من المديح الشعري إلى البحث الفلسفي

يسأل سقراط أغاثون سؤالا بسيطا لكنه يقلب الموضوع كله: هل الحب حب لشيء أم لا؟ وإذا كان الحب رغبة في شيء، فهل يمكن أن نرغب في شيء نمتلكه بالفعل؟ يصل الحوار إلى نتيجة مهمة: الإنسان يرغب عادة في شيء يفتقده أو يريد الاحتفاظ به لأنه يخشى فقدانه، وبالتالي فإن القول بأن الحب هو الرغبة في الجمال يعني أن المحب ليس جميلا بالضرورة، وإلا لما كان يطلب الجمال، وبالمثل إذا كان الحب يرغب في الخير، فهذا يعني أن لديه نقصا ما ويدفعه هذا النقص إلى البحث عما يراه خيرا

وهنا يدخل سقراط في حوار طويل مع شخصية ديوتيما، وهي المرأة التي يقول إنه تعلم منها الكثير عن طبيعة الحب، وتقدم ديوتيما تفسيرا أكثر عمقا لإيروس، فالحب ليس إلها كاملا جميلا وخيرا كما اعتقد المتحدثون السابقون، وليس إنسانا عاديا أيضا، وإنما هو كائن وسيط بين النقص والكمال، بين الجهل والمعرفة، وبين الفناء والخلود

وتشرح ديوتيما ذلك من خلال أسطورة ميلاد إيروس، فأمه بينيا تمثل الفقر والحاجة، بينما أبوه بوروس يمثل الوفرة والحيلة والقدرة على الوصول إلى ما يريد، لذلك يحمل الحب طبيعتين متناقضتين في داخله: هو فقير لأنه لا يمتلك ما يبحث عنه، لكنه غني بالحيلة لأنه لا يتوقف عن السعي إليه، هو لا يملك الحكمة، لكنه يحب الحكمة ويبحث عنها، ومن هنا تأتي العلاقة بين الحب والفلسفة، فالفيلسوف ليس شخصا يمتلك الحكمة كاملة، وإنما إنسان يعرف أنه لا يمتلكها ويظل يبحث عنها

وهذه من أهم أفكار “المأدبة”: الحب ليس امتلاكا، بل حركة نحو شيء نريده ونشعر أننا نفتقده، الإنسان لا يحب الجمال لأنه يمتلك الجمال كاملا، وإنما لأنه يرى فيه شيئا يريد الوصول إليه، ولا يحب الحكمة لأنه حكيم تماما، بل لأنه يشعر بحاجته إليها، ولهذا يصبح الفيلسوف، في المعنى الأفلاطوني، محبا للحكمة، لا مالكا مطلقا لها

لكن ديوتيما لا تتوقف عند تفسير الحب باعتباره رغبة في شيء مفقود، بل تسأل: لماذا يريد الإنسان ما هو جميل وخير؟ وتصل إلى أن الإنسان يريد الخير لأنه يريد أن يكون سعيدا، لذلك فإن الحب في أعماقه ليس مجرد رغبة في شخص أو جسد أو جمال، وإنما رغبة في الخير والسعادة والاستمرار

ومن هنا تنتقل المحاورة إلى فكرة الخلود فالإنسان، بحسب ديوتيما، يريد بطريقة ما أن يتغلب على فنائه، لكنه لا يستطيع أن يصبح خالدا بجسده، ولذلك يحاول أن يترك شيئا وراءه، بعض الناس ينجبون الأطفال، فيستمرون من خلال نسلهم، وبعضهم يترك أعمالا عظيمة أو قوانين أو أفكارا أو أعمالا فنية أو معرفة، وهكذا يصبح الإبداع نفسه صورة من صور الحب، فالإنسان يحب شيئًا ويريد أن يلد منه شيئا يبقى بعده

ثم تصل المحاورة إلى أشهر أفكارها، وهي ما يسمى عادة “سلّم الحب”، يبدأ الإنسان غالبا بانجذاب إلى جمال جسد واحد، وهذا ليس أمرا سيئا في ذاته، لكنه مجرد البداية، ومع نضج الإنسان يبدأ في إدراك أن الجمال الجسدي ليس حكرا على شخص واحد، وأن الجمال يمكن أن يظهر في أشخاص مختلفين، فينتقل من التعلق بجمال فرد إلى تقدير الجمال الموجود في الأجساد عموما

ثم يرتقي من جمال الجسد إلى جمال النفس، يبدأ الإنسان في اكتشاف أن شخصية الإنسان وعقله وأخلاقه قد تكون أكثر قيمة من مظهره الخارجي، وقد يحب الإنسان شخصا لأنه شجاع أو كريم أو حكيم أو عميق، لا لأنه جميل الشكل فقط، وهنا يتحول الحب من رغبة في امتلاك الجسد إلى رغبة في الارتباط بما هو أعمق في الإنسان

بعد ذلك ينتقل الإنسان إلى تقدير جمال القوانين والمؤسسات والأفكار، فيبدأ في إدراك أن الجمال ليس فقط في الأشخاص، وإنما يمكن أن يكون موجودا في نظام عادل، أو تربية جيدة، أو مجتمع منظم، أو فكرة عظيمة، ثم يرتقي إلى جمال المعرفة نفسها، فيصبح التعلم والتفكير والبحث عن الحقيقة مصادر للجمال

وفي أعلى درجات هذا السلم يصل الإنسان إلى التأمل “في الجمال في ذاته”، وهنا لا يعود يبحث عن الجمال في شخص أو شيء محدد، بل يدرك الجمال بوصفه حقيقة أعمق من الأشياء الجميلة المتغيرة، الجمال المطلق لا يشيخ ولا يتغير ولا يولد ثم يموت، ولا يعتمد على جسد معين أو لون أو شكل أو مكان، إنه جمال ثابت يتجاوز الأشياء التي نراها جميلة في العالم

وهنا يتضح أن أفلاطون لا يريد أن يعلمنا كيف نحب شخصا بطريقة رومانسية فقط، وإنما يريد أن يستخدم تجربة الحب نفسها كطريق للارتقاء، فالإنسان يبدأ من المحسوس، لكنه يستطيع أن يصعد من خلاله إلى المعنى، يبدأ بحب الجسد، ثم النفس، ثم الفضيلة، ثم المعرفة، ثم يصل إلى التأمل في الجمال ذاته، ولذلك فالحب عند أفلاطون يمكن أن يكون قوة تربوية وفلسفية، لأنه يدفع الإنسان إلى تجاوز نفسه

لكن المحاورة لا تنتهي عند هذه الفكرة الهادئة، يظهر ألكيبيادس، وهو سياسي وقائد أثيني، في حالة سكر، ويبدأ في الحديث عن سقراط نفسه، وهنا يقدم أفلاطون صورة عملية لسقراط بدل أن يظل الحديث نظريا، ألكيبيادس مفتون بسقراط، لكنه يكتشف أن سقراط لا يستجيب بسهولة للإغراءات التي تستجيب لها الشخصيات الأخرى. سقراط يبدو من الخارج غريبا وغير جذاب، لكنه من الداخل يحمل عالما من الحكمة والانضباط

ويصبح ألكيبيادس مثالا مهما على الفرق بين الانجذاب إلى شخص والانجذاب إلى ما يمثله هذا الشخص فهو يريد سقراط، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالعجز أمام قدرته على مقاومة الإغراء والتمسك بمبادئه، وهنا تظهر إحدى المفارقات الجميلة في المحاورة: الشخص الذي يبدو أقل جمالا من الخارج قد يكون أكثر جمالا من الداخل، والشخص الذي يمتلك الجمال الظاهري قد يظل محتاجا إلى شيء أعمق منه

وفي نهاية الليل تستمر الأجواء في التغير، ويبدأ بعض الحاضرين في النوم، بينما يظل سقراط مستيقظا، وتنتهي الصورة الأخيرة تقريبًا بسقراط وقد عاد إلى حياته الطبيعية، وكأن الفلسفة عنده ليست خطابا مؤقتا يقال في مأدبة، بل طريقة حياة تستمر بعد انتهاء الكلام

وهكذا يمكن فهم “المأدبة” باعتبارها رحلة تبدأ بالسؤال البسيط: ما الحب؟ لكنها تنتهي بأسئلة أكبر بكثير: ما الذي ينقص الإنسان؟ لماذا يبحث عن الجمال؟ لماذا يريد الخير؟ لماذا يخشى الفناء؟ وكيف يمكن للرغبة أن تتحول من تعلق بشيء محدود إلى بحث عن الحقيقة والجمال والحكمة؟

والفكرة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من الكتاب هي أن الحب ليس بالضرورة نهاية الطريق، بل قد يكون بداية الطريق، الإنسان قد يبدأ بحب شخص بسبب مظهره، ثم يكتشف جمال شخصيته، ثم يتعلم تقدير الفضيلة والمعرفة، وفي أفضل الحالات يتحول الحب إلى رغبة في أن يصبح الإنسان نفسه أفضل وأكثر حكمة، لذلك فالحب الحقيقي، وفق المسار الذي ترسمه المحاورة، لا يجعل الإنسان أصغر وأكثر تعلقًا بشيء واحد، وإنما يمكن أن يجعله أوسع رؤية وأكثر قدرة على اكتشاف الجمال في العالم.

ولهذا تظل “المأدبة” حاضرة بعد أكثر من ألفي عام، لأنها لا تتعامل مع الحب بوصفه مجرد عاطفة عابرة، وإنما بوصفه واحدة من أقوى القوى التي تحرك الإنسان، نحن نحب لأننا نرغب، ونرغب لأننا نفتقد، ونفتقد لأننا لم نصل بعد إلى الصورة التي نريد أن نكون عليها، وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الحقيقي هو “من أحب؟”، وإنما “إلى ماذا يقودني حبي؟، فإذا جعلني الحب أكثر أنانية وتملكا وخوفا، فقد ظل أسيرًا للرغبة وحدها، أما إذا جعلني أكثر معرفة ونضجا وفضيلة وقدرة على رؤية الجمال، فقد أصبح وسيلة للارتقاء

في النهاية، لا يقدم أفلاطون الحب كامتلاك للاخر، ولا يجعل سعادة الإنسان متوقفة بالكامل على العثور على “نصفه الآخر”، إنما يضع أمام الإنسان طريقا يبدأ من الآخر ثم يتجاوزه، ويبدأ من الجسد ثم يرتقي إلى النفس، ومن النفس إلى الفضيلة، ومن الفضيلة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الجمال في ذاته، وهنا تتحول المأدبة من حديث عن الحب إلى حديث عن رحلة الإنسان كلها: رحلة البحث عن شيء يشعر أنه ناقص فيه، ثم اكتشاف أن ما يبحث عنه في الخارج قد يكون بابا للوصول إلى شيء أعمق في داخله وفي الحقيقة من حوله

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

________________

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: المأدبة: فلسفة الحب

العنوان الأصلي: Symposium

المؤلف: أفلاطون

المترجم: وليم الميري

دار النشر: دار أقلام عربية للنشر والتوزيع

بلد النشر: مصر

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2019

عدد الصفحات: 95 صفحة

رقم الإيداع: غير متوفر

ISBN: 9789776751088

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *