«هذا هو التسويق»: التسويق الناجح لا يبدأ بالمنتج وإنما يبدأ بالإنسان
تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
وفي عالم تمتلئ فيه الأسواق بالمنتجات والخدمات، لم يعد السؤال الأهم بالنسبة لأي صاحب مشروع هو كيف أبيع أكثر؟ وإنما أصبح السؤال الأصعب هو لمن أبيع؟ ولماذا قد يهتم هؤلاء بما أقدمه أصلًا؟
من هذه النقطة ينطلق الكاتب الأمريكي سيث جودين في كتابه «هذا هو التسويق»، الذي يقدمه باعتباره رؤية مختلفة للتسويق، لا تقوم على مطاردة العملاء أو إزعاجهم بالإعلانات، وإنما على فهم الناس، ومعرفة احتياجاتهم، وبناء علاقة حقيقية معهم.
جودين يرى أن التسويق الناجح لا يبدأ بالمنتج، وإنما يبدأ بالإنسان، فقبل أن تسأل عن الطريقة التي ستبيع بها، عليك أن تعرف الشخص الذي تريد الوصول إليه، وما الذي يريده، وما المشكلة التي تستطيع مساعدته في حلها.
والكتاب لا يتعامل مع التسويق باعتباره مجموعة من الحيل الإعلانية، وإنما باعتباره فهمًا للسلوك الإنساني وقدرة على صناعة قيمة حقيقية تصل إلى الجمهور المناسب.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد سيث جودين تغيير الصورة التقليدية عن التسويق.
فالتسويق، من وجهة نظره، ليس مجرد إعلان يظهر أمام أكبر عدد ممكن من الناس، وليس محاولة لإقناع الجميع بشراء المنتج. الفكرة الأهم هي الوصول إلى الأشخاص الذين يمكن أن يمثل المنتج أو الخدمة قيمة حقيقية بالنسبة لهم.
ولهذا يدعو الكاتب إلى التوقف عن محاولة إرضاء الجميع، والبحث بدلًا من ذلك عن الجمهور الذي يحتاج ما تقدمه بالفعل.
ويؤكد أن المنتج الجيد وحده لا يكفي، كما أن الإعلان القوي لا يستطيع إنقاذ منتج لا يقدم قيمة حقيقية. النجاح يبدأ من معرفة الجمهور، وفهم مشكلاته، ثم تقديم حل يستحق أن يختاره الناس.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتب «هذا هو التسويق» في وقت أصبحت فيه المنافسة على انتباه الجمهور أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
فالناس يتعرضون يوميًا لعدد هائل من الإعلانات والرسائل التسويقية، وأصبح من الصعب أن تجذب انتباههم بمجرد الإعلان عن منتج جديد أو تكرار نفس الأساليب القديمة.
لذلك يحاول جودين تقديم طريقة مختلفة في التفكير؛ طريقة تجعل التسويق قائمًا على الثقة والتعاطف وفهم احتياجات الجمهور بدلًا من الإلحاح والمطاردة.
فالعميل، وفق الرؤية التي يقدمها الكتاب، لا يريد بالضرورة أن يسمع عن المنتج طوال الوقت، وإنما يريد أن يجد شيئًا يفيده ويحل مشكلة حقيقية لديه.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
أولًا: لا تحاول التسويق للجميع
واحدة من أهم الأفكار التي يطرحها جودين هي أن محاولة الوصول إلى الجميع قد تعني في النهاية عدم الوصول إلى أحد.
كل منتج له جمهور أكثر اهتمامًا به من غيره، وكلما استطاع صاحب المشروع تحديد هذا الجمهور بدقة، أصبح من الأسهل فهم احتياجاته والتحدث معه باللغة التي يفهمها.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: «كيف أجعل كل الناس يشترون؟»، وإنما: «من هم الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا فعلًا مما أقدمه؟».
ثانيًا: ابدأ من احتياج الناس
التسويق الناجح لا يبدأ من رغبة البائع في التخلص من مخزون أو تحقيق مبيعات، وإنما من مشكلة لدى العميل.
إذا استطاع المشروع أن يقدم حلًا حقيقيًا لمشكلة حقيقية، فإنه يمتلك نقطة بداية قوية.
وهنا تصبح مهمة المسوق ليست اختراع حاجة لدى الناس، وإنما اكتشاف حاجة موجودة بالفعل وتقديم شيء يستطيع تلبيتها.
ثالثًا: المنتج والقصة أهم من الإعلان
يرى جودين أن الناس لا يشترون المنتجات دائمًا بسبب خصائصها الفنية فقط، وإنما بسبب القصة التي يربطونها بها وما تمثله بالنسبة إليهم.
فالمنتج قد يمنح الشخص شعورًا بالتميز، أو الراحة، أو الانتماء، أو الثقة، أو يوفر عليه وقتًا وجهدًا.
ولهذا فإن العلامات التجارية الناجحة لا تبيع منتجًا فقط، وإنما تبني معنى حوله.
رابعًا: الثقة هي رأس المال الحقيقي
قد ينجح الإعلان في جذب العميل للمرة الأولى، لكن الثقة هي التي يمكن أن تجعله يعود مرة أخرى.
ومن هنا يركز الكتاب على أهمية الوفاء بالوعود، وتقديم قيمة حقيقية، والاستماع إلى العملاء، وبناء علاقة طويلة المدى معهم.
فالمستهلك أصبح أكثر قدرة على المقارنة والبحث قبل اتخاذ قرار الشراء، ولذلك فإن المبالغة في الوعود قد تؤدي إلى نتيجة عكسية.
خامسًا: ابحث عن أصغر جمهور يمكن خدمته جيدًا
بدلًا من التفكير في ملايين العملاء منذ البداية، يقترح الكتاب التفكير في مجموعة محددة يمكن خدمتها بصورة ممتازة.
فعندما يجد المنتج قبولًا لدى هذه المجموعة، يمكن أن يبدأ في التوسع تدريجيًا.
والميزة هنا أن الجمهور الصغير المتحمس قد يكون أكثر تأثيرًا من جمهور ضخم لا يشعر بأي ارتباط حقيقي بالعلامة التجارية.
سادسًا: لا تخف من أن تقول «لا»
محاولة إرضاء كل شخص قد تجعل المنتج بلا شخصية واضحة.
ولهذا فإن معرفة الجمهور المستهدف تعني أيضًا معرفة الأشخاص الذين لا يمثلون الفئة المناسبة للمنتج.
العلامة التجارية القوية تعرف ما الذي تقدمه، ولمن تقدمه، وما الذي لا تريد أن تكون عليه.
سابعًا: التسويق علاقة وليس صفقة
لا ينتهي التسويق بمجرد إتمام عملية البيع.
فالعميل الذي اشترى اليوم يمكن أن يصبح عميلًا دائمًا، ويمكن أن ينقل تجربته إلى أصدقائه ومعارفه، ويمكن أن يتحول إلى شخص يدافع عن العلامة التجارية إذا شعر أنها قدمت له قيمة حقيقية.
ومن هنا تصبح العلاقة مع الجمهور جزءًا أساسيًا من عملية التسويق.
ثامنًا: التغيير يحتاج إلى الصبر
لا يقدم جودين التسويق باعتباره طريقًا سريعًا لتحقيق النتائج.
بناء جمهور، وكسب الثقة، وصناعة علامة تجارية لها حضور، كلها أمور تحتاج إلى وقت واستمرار.
وقد يكون أصعب ما في التسويق أن النتائج لا تظهر دائمًا فورًا، لكن الاستمرار في تقديم قيمة حقيقية يمكن أن يصنع فارقًا مع الوقت.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ورواد الأعمال، والمسوقين، والعاملين في مجال المبيعات والإعلان، وكذلك أصحاب العلامات التجارية الذين يبحثون عن طريقة مختلفة للوصول إلى جمهورهم.
كما يناسب صناع المحتوى ومديري صفحات التواصل الاجتماعي، لأن كثيرًا من أفكار الكتاب يمكن تطبيقها على المحتوى الرقمي، خصوصًا فيما يتعلق بفهم الجمهور وبناء الثقة وعدم التعامل مع المتابعين باعتبارهم مجرد أرقام.
ويمكن أن يستفيد منه كذلك أي شخص لديه فكرة أو مشروع ويريد أن يعرف كيف يحول هذه الفكرة إلى شيء يريده الناس فعلًا.
مميزات الكتاب
من أهم مميزات «هذا هو التسويق» أنه يبتعد عن تقديم التسويق باعتباره مجرد مجموعة من الخطوات الجاهزة أو الحيل التي تضمن البيع.
الكتاب يهتم أكثر بتغيير طريقة التفكير.
كما أن أسلوب سيث جودين يعتمد على طرح أفكار مرتبطة بالمواقف اليومية في عالم الأعمال والتسويق، وهو ما يجعل الموضوع أقرب إلى القارئ من الكتب التي تعتمد على المصطلحات الأكاديمية وحدها.
ومن مميزات الكتاب أيضًا أنه يناسب عصر التسويق الرقمي، حيث أصبح بناء المجتمع حول العلامة التجارية، والتواصل المباشر مع الجمهور، وصناعة المحتوى، عناصر أساسية في الوصول إلى المستهلك.
قراءة صحفية…
أهم ما يمكن أن يخرج به القارئ من «هذا هو التسويق» أن التسويق لم يعد معركة هدفها أن يسمعك الجميع.
في عصر السوشيال ميديا، يمكن لأي شخص أن يعلن عن منتجه، وأن يدفع أموالًا للوصول إلى آلاف أو ملايين المستخدمين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه نجح في التسويق.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول التركيز من عدد الأشخاص الذين شاهدوا الإعلان إلى عدد الأشخاص الذين وجدوا في المنتج قيمة حقيقية.
وهنا يقدم جودين فكرة تستحق التوقف عندها: ربما لا تحتاج إلى جمهور ضخم حتى تنجح. ربما تحتاج فقط إلى الجمهور الصحيح.
فالمشروع الذي يعرف جمهوره جيدًا يستطيع أن يفهم لغته، ومشكلاته، وطموحاته، والأسباب التي تجعله يشتري أو يرفض. وعندما يشعر العميل أن المنتج صُنع من أجله، تصبح عملية البيع أقل صعوبة.
وهذا يفسر لماذا تنجح بعض العلامات التجارية في بناء جمهور شديد الولاء رغم أنها ليست الأكبر في السوق؛ لأنها لم تحاول أن تكون كل شيء لكل الناس.
يضع الكتاب التسويق في مكان مختلف تمامًا: ليس بوصفه فن إقناع الناس بشراء ما لا يحتاجون إليه، وإنما باعتباره محاولة لفهم الناس وصناعة شيء يستحق أن يختاروه.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم في الكتاب: قبل أن تبحث عن طريقة تجعل الناس يشترون منك، اسأل نفسك سؤالًا أكثر أهمية: هل ما أقدمه يستحق فعلًا أن يختاره الناس؟، إذا كانت الإجابة نعم، تبدأ رحلة التسويق الحقيقية؛ وإذا كانت الإجابة لا، فلن ينقذك الإعلان مهما كان قويًا.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: هذا هو التسويق
المؤلف: سيث جودين
المترجم: إسماعيل كاظم
دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
بلد النشر: لبنان
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2019
عدد الصفحات: 263 صفحة
رقم الإيداع: غير متوفر في المصادر المنشورة التي أمكن التحقق منها
ISBN: 9786140129238







