قراءة في كتاب
لماذا نفكر أفضل حين نمشي؟
The Philosophy of Walking — Frédéric Gros
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع.
خطوة واحدة قد تغير طريقة التفكير
المشي يبدو واحدًا من أكثر الأشياء العادية التي يفعلها الإنسان فنحن نمشي لنصل إلى مكان ونمشي لقضاء حاجة ونمشي لأن الطريق يفرض علينا ذلك لكن ماذا لو لم يكن المشي مجرد وسيلة للانتقال من نقطة إلى أخرى وماذا لو كانت الخطوات البطيئة قادرة على أن تأخذ الإنسان إلى مكان آخر في داخله قبل أن تأخذه إلى أي مكان في الخارج.
هذا هو السؤال الذي ينطلق منه فريدريك غرو في كتابه The Philosophy of Walking إذ لا يتعامل مع المشي باعتباره رياضة ولا وسيلة للحفاظ على الصحة وإنما باعتباره تجربة إنسانية وفلسفية يمكن أن تغير علاقتنا بالوقت وبالعالم وبأنفسنا.
العالم الذي لا يسمح لنا بالتوقف
الحياة الحديثة تتحرك بسرعة تجعل التوقف يبدو أحيانًا نوعًا من التقصير فكل شيء يطالب الإنسان بالإنجاز والعمل والرد والمتابعة والانتقال إلى المهمة التالية وحتى لحظات الراحة أصبحت تحتاج إلى خطة بينما يتحول الوقت إلى سباق طويل يحاول فيه الإنسان أن يثبت أنه لم يهدر دقيقة واحدة.
وسط هذا العالم يأتي المشي باعتباره فعلًا بسيطًا يكسر هذه القاعدة لأن الإنسان حين يمشي دون استعجال لا يكون مطالبًا بإنجاز شيء ولا بإثبات شيء ولا بالوصول إلى نتيجة فورية وتصبح الخطوة نفسها كافية.
الجسد الذي يفكر
اعتدنا أن نربط التفكير بالجلوس فالعالم يتخيل المفكر أمام مكتبه والكاتب أمام أوراقه والطالب أمام كتابه لكن الكتاب يعيد النظر في هذه الصورة ويذكرنا بأن كثيرًا من الأفكار الكبيرة لم تولد دائمًا في غرف مغلقة بل ظهرت أثناء السير الطويل.
الجسد المتحرك لا يعطل العقل كما قد نتصور بل يمكن أن يمنحه مساحة مختلفة فالخطوات المنتظمة تترك جزءًا من الانتباه حرًا بينما يتحرك الجسد تلقائيًا ويبدأ العقل في ترتيب أفكاره بطريقة لا تحدث دائمًا عندما نجبره على التفكير.
حين نترك الأفكار تمشي معنا
بعض المشكلات لا تحتاج إلى مزيد من الضغط عليها لأن العقل كلما حاول الإمساك بالإجابة بقوة ربما ابتعد عنها أكثر ولهذا يعرف كثير من الناس تلك اللحظة الغريبة التي تأتيهم فيها فكرة مهمة أثناء السير دون أن يكونوا يبحثون عنها.
المشي يمنح الأفكار فرصة للتحرك دون أوامر فلا يجلس الإنسان أمام نفسه مطالبًا بإنتاج حل فوري بل يترك الأسئلة ترافقه على الطريق ومع مرور الوقت تبدأ بعض الأفكار في الظهور بينما تختفي أخرى وكأن الحركة نفسها تساعد العقل على فرز ما يحمله.
الطريق الذي لا يطلب منك شيئًا
أجمل ما في المشي أنه لا يحتاج إلى تبرير كبير فالإنسان يستطيع أن يخرج من بيته دون أن يكون لديه هدف محدد وأن يسير دون أن يعرف تمامًا أين سينتهي به الطريق وفي عالم يطالبنا دائمًا بالهدف والخطة والنتيجة تبدو هذه الحرية شيئًا نادرًا.
الطريق لا يسأل الإنسان عن إنجازاته ولا عن خططه ولا عن المكانة التي وصل إليها وكل ما يطلبه هو خطوة أخرى وربما لهذا السبب يمنح المشي بعض الناس شعورًا بالتحرر لأنهم يتوقفون للحظات عن حمل الأدوار التي يفرضها عليهم العالم.
البطء الذي أصبح مقاومة
السرعة أصبحت قيمة في حد ذاتها فالرسالة الأسرع أفضل والطريق الأقصر أفضل والنتيجة الفورية أكثر إغراء لكن هل كل ما هو سريع أفضل فعلًا.
المشي البطيء يقدم اعتراضًا هادئًا على هذه الفكرة فهو لا يبحث عن أقصر طريق دائمًا ولا يقيس قيمته بعدد الكيلومترات التي قطعها وإنما يمنح الإنسان فرصة لرؤية التفاصيل التي يخفيها الاستعجال.
المدينة التي نعبرها بالسيارة ليست هي المدينة التي نعرفها ونحن نسير فيها لأن السرعة تجعل الأماكن تمر أمامنا بينما المشي يسمح لها بأن تدخل إلى ذاكرتنا.
أن ترى ما كنت تمر بجواره
كم مرة مر الإنسان في شارع يعرفه منذ سنوات ثم اكتشف أثناء المشي شيئًا لم يره من قبل متجرًا صغيرًا أو شجرة قديمة أو نافذة جميلة أو وجهًا اعتاد المرور أمامه دون أن ينتبه إليه.
المشي لا يغير العالم من حولنا لكنه يغير سرعة علاقتنا به وحين تتغير السرعة تظهر تفاصيل كانت موجودة طوال الوقت دون أن نراها.
ربما لا تكون المشكلة في أن الحياة تخفي أشياء كثيرة عنا بل في أننا نمر بها أسرع من اللازم.
الوحدة التي لا تعني العزلة
الوحدة كلمة تثير الخوف لدى كثيرين لأنها ترتبط بالغياب والعزلة لكن المشي المنفرد يقدم شكلًا مختلفًا من الوحدة فالإنسان يكون وحده دون أن يكون بالضرورة وحيدًا.
الطريق يصبح رفيقًا والأصوات المحيطة تتحول إلى جزء من التجربة والأفكار التي كانت مدفونة تحت ضوضاء اليوم تبدأ في الظهور.
هناك فرق بين أن يُترك الإنسان وحيدًا وبين أن يختار أن يكون وحده لبعض الوقت والكتاب يذكرنا بأن القدرة على البقاء مع النفس ليست علامة نقص في العلاقات بل ربما تكون شرطًا لفهمها.
الهروب الذي يعيدنا إلى أنفسنا
أحيانًا يحتاج الإنسان إلى الابتعاد حتى يرى حياته بوضوح وليس المقصود بالابتعاد دائمًا السفر إلى مكان بعيد فقد تكفي مسافة قصيرة بين البيت والشارع وبين المكتب والطريق.
المشي يمنح الإنسان انفصالًا مؤقتًا عن المكان الذي يحمل فيه مسؤولياته فالموظف يخرج من مكتبه والأب يبتعد قليلًا عن ضجيج البيت والطالب يترك كتبه خلفه وفي هذه المسافة القصيرة يمكن للأدوار أن تهدأ.
لا يعود الإنسان موظفًا أو طالبًا أو مسؤولًا عن شيء للحظات بل يصبح شخصًا يمشي فقط.
الفلاسفة الذين اختاروا الطريق
يتتبع الكتاب علاقة عدد من كبار المفكرين والكتاب بالمشي ويكشف كيف كان الطريق جزءًا من حياتهم الفكرية ولم يكن مجرد نشاط جانبي.
فنيتشه كان يرى في الحركة والطبيعة مساحة ضرورية للتفكير وروسو وجد في السير الطويل حالة من التأمل والعزلة بينما ارتبط اسم ثورو بالطبيعة والخروج من القيود التي تفرضها الحياة المنظمة.
الجامع بين هذه التجارب ليس أن المشي يصنع العبقرية بل أن الابتعاد عن الضوضاء يمنح العقل فرصة للعمل بطريقة مختلفة.
لا يمكن التفكير طوال الوقت أمام شاشة
العصر الحديث جعل الإنسان قريبًا من العالم أكثر من أي وقت مضى لكنه في الوقت نفسه أبعده عن نفسه فالرسائل لا تتوقف والمحتوى لا ينتهي والشاشة تقدم دائمًا شيئًا جديدًا.
حتى لحظة الفراغ أصبحت فرصة لفتح الهاتف.
المشي يكسر هذه الدائرة لأنه يعيد الإنسان إلى مساحة لا تحتاج إلى تحديث مستمر فالطريق لا يرسل إشعارات والسماء لا تطلب ردًا سريعًا والخطوات لا تنتظر تقييمًا من أحد.
حين يصبح الفراغ مفيدًا
الفراغ أصبح شيئًا نخافه ولذلك نملأه فورًا بالصوت والصورة والكلام لكن العقل يحتاج أحيانًا إلى مساحات لا يحدث فيها شيء.
المشي الطويل يمكن أن يبدو مملًا في البداية لأن الإنسان اعتاد أن يكون منشغلًا دائمًا لكن بعد فترة يبدأ الملل نفسه في التحول إلى شيء آخر.
تظهر فكرة ثم تختفي ويعود الإنسان إلى ذكرى قديمة ثم ينتقل إلى سؤال جديد ويكتشف أن العقل لا يحتاج دائمًا إلى مادة جديدة حتى يعمل بل يحتاج أحيانًا إلى فرصة لمعالجة ما لديه بالفعل.
المشي ليس هروبًا من الحياة
قد يبدو الخروج من الضوضاء نوعًا من الهروب لكنه في الحقيقة يمكن أن يكون طريقة للعودة إلى الحياة بصورة أكثر وضوحًا.
الإنسان لا يستطيع مواجهة كل شيء وهو غارق فيه طوال الوقت وأحيانًا يحتاج إلى مسافة حتى يرى المشكلة بحجمها الحقيقي.
الطريق يمنح هذه المسافة دون أن يطلب من الإنسان أن يترك حياته وراءه فهو يعود في النهاية إلى المكان نفسه لكنه ربما لا يعود بالشخص نفسه الذي خرج منه.
الخطوات التي لا تظهر في الإنجازات
المجتمع يحب النتائج الواضحة شهادة جديدة ووظيفة أفضل ومشروع ناجح وأرقام يمكن قياسها لكن هناك أشياء مهمة تحدث داخل الإنسان ولا تظهر في أي قائمة إنجازات.
ساعة مشي قد لا تضيف شيئًا إلى السيرة الذاتية لكنها ربما تمنح الإنسان فكرة كان يبحث عنها أو قرارًا تأجل طويلًا أو لحظة هدوء يحتاج إليها.
ليست كل الأشياء القيمة قابلة للقياس وربما تكون هذه واحدة من الأفكار التي نحتاج إلى تذكرها في عالم يحاول تحويل كل دقيقة إلى إنتاج.
الوصول ليس دائمًا هو الهدف
نحن نمشي غالبًا لأننا نريد الوصول لكن المشي الذي يتحدث عنه الكتاب يحرر الإنسان من هذه الفكرة.
ماذا يحدث عندما يصبح الطريق هو التجربة نفسها وليس مجرد المسافة التي يجب التخلص منها.
ربما نتعامل مع الحياة بالطريقة نفسها فنحن نعيش دائمًا في انتظار محطة قادمة نجاح أكبر أو مال أكثر أو وقت أفضل أو مكان آخر ثم نكتشف بعد سنوات أننا تعاملنا مع الطريق كله باعتباره مجرد مرحلة مؤقتة.
الحياة التي تحدث بين نقطتين
هناك لحظة يبدأ فيها الإنسان في إدراك أن الوصول ليس دائمًا أكثر أهمية من الطريق وأن كثيرًا مما نبحث عنه ربما يحدث في المسافة التي نعتبرها مجرد عبور.
المشي يعلم الإنسان هذه الفكرة دون خطب طويلة فكل خطوة لا تبدو مهمة وحدها لكن آلاف الخطوات تصنع رحلة كاملة.
الحياة أيضًا لا تتغير دائمًا بقرار كبير واحد بل بمجموعة من التفاصيل الصغيرة التي لا نمنحها اهتمامًا كافيًا أثناء حدوثها.
العودة إلى أقدامنا
ربما يبدو غريبًا أن نحتاج في عصر التكنولوجيا إلى كتاب يذكرنا بالمشي لكن الأشياء البسيطة تصبح أكثر أهمية حين نكاد ننساها.
الإنسان الذي يستطيع الوصول إلى أي مكان تقريبًا بضغطة زر قد يفقد أحيانًا علاقة قديمة جدًا بين جسده والعالم من حوله.
المشي يعيد هذه العلاقة فالطريق يشعر به الإنسان تحت قدميه والهواء لا يصل إليه عبر شاشة والمدينة لا تظهر في صورة مختارة بعناية بل بكل ضوضائها وتفاصيلها.
ماذا لو مشينا أكثر
السؤال الذي يتركه الكتاب ليس دعوة إلى ترك العمل أو الهروب إلى الطبيعة ولا يقدم المشي باعتباره علاجًا سحريًا لكل مشكلات الإنسان لكنه يدعونا إلى إعادة اكتشاف مساحة بسيطة أهملناها.
ماذا لو خرجنا أحيانًا دون هدف وماذا لو تركنا الهاتف في الجيب وماذا لو منحنا أفكارنا فرصة للتحرك دون أن نطلب منها الوصول السريع إلى نتيجة.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى إجابة جديدة بقدر ما نحتاج إلى طريق يسمح للأسئلة بأن تسير معنا قليلًا.
في عالم يركض باستمرار قد تكون الخطوة البطيئة فعلًا من أفعال الحرية وقد يكون المشي ليس ابتعادًا عن الحياة كما يبدو بل اقترابًا منها بطريقة أكثر هدوءًا وصدقًا لأن الإنسان أحيانًا لا يعرف إلى أين يريد أن يذهب إلا بعد أن يبدأ في السير.
حقوق النشر
هذه القراءة تقدم معالجة تحليلية لأفكار كتاب The Philosophy of Walking ولا تمثل ترجمة أو نقلًا للنص الأصلي ويحتفظ المؤلف والناشر بكامل حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالكتاب.
بطاقة تعريفية
العنوان: The Philosophy of Walking
المؤلف: Frédéric Gros
الناشر: Verso Books
بلد النشر: المملكة المتحدة
الطبعة الإنجليزية: 2014
سنة النشر: 2014
عدد الصفحات: 272 صفحة
ISBN: 9781781683110







