تمهبد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يقدم ديفيد آلن في كتاب “إنجاز الأمور” نظاما عمليا لإدارة المهام والأفكار والالتزامات بطريقة تساعد الإنسان على التخلص من الفوضى الذهنية وزيادة قدرته على التركيز، الفكرة الأساسية للكتاب أن العقل ليس المكان المناسب للاحتفاظ بكل ما نريد أن نتذكره، فعندما تظل عشرات المهام والمواعيد والأفكار تدور في أذهاننا، يظل جزء من انتباهنا منشغلا بمحاولة تذكرها، حتى عندما نكون منشغلين بشيء اخر، لذلك فإن الإنتاجية الحقيقية لا تعتمد فقط على العمل بجهد أكبر، وإنما على امتلاك نظام موثوق يحفظ ما يجب علينا القيام به بدلا من تركه في الذاكرة.
يرى آلن أن السبب وراء الشعور الدائم بالضغط ليس بالضرورة كثرة العمل، وإنما وجود أشياء كثيرة غير واضحة في أذهاننا، قد يفكر الشخص طوال اليوم في مكالمة يجب أن يجريها، أو فاتورة يجب دفعها، أو مشروع لم يكتمل، أو فكرة يريد تنفيذها، لكنه لا يحدد بوضوح ما الذي يجب فعله ومتى، وهكذا تتحول الأشياء غير المحددة إلى مصدر مستمر للتوتر، أما عندما يتم إخراج هذه الأمور من الرأس وتسجيلها في نظام خارجي واضح، يصبح العقل أكثر هدوءا وقدرة على التركيز.
ويبدأ النظام الذي يقترحه آلن بعملية “الالتقاط”، والمقصود بها جمع كل الأشياء التي تشغل الذهن ووضعها في أماكن موثوقة يمكن الرجوع إليها لاحقا، قد تكون هذه الأشياء مهاما صغيرة، أو مشروعات كبيرة، أو أفكارا، أو التزامات شخصية، أو أمورا مؤجلة، المهم ألا تبقى هذه الأشياء معلقة في الذاكرة، فكلما زاد اعتماد الإنسان على ذاكرته في إدارة حياته، زادت احتمالات النسيان والقلق والشعور بأن هناك شيئا مهما لم يتم إنجازه.
بعد جمع الأشياء تأتي مرحلة توضيح ما تعنيه كل واحدة منها، فكتابة “العمل” مثلا ليست مهمة واضحة، لأنها لا تخبرنا بما يجب فعله فعليا، الأفضل أن نسأل: ما النتيجة التي أريد الوصول إليها؟ وما أول خطوة عملية يمكن تنفيذها؟ فإذا كان لدينا مشروع كبير، ينبغي تحويله من فكرة غامضة إلى خطوات محددة يمكن التعامل معها واحدة تلو الأخرى، هذه الطريقة تجعل المشروعات الكبيرة أقل إرهاقا، لأن العقل يتعامل مع خطوة واضحة بدلا من محاولة حل المشكلة بأكملها دفعة واحدة.
ثم تأتي مرحلة التنظيم، وفيها يتم وضع كل شيء في المكان المناسب، فالمواعيد توضع في التقويم، والمهام التي يمكن تنفيذها في وقت محدد تدرج في قوائم العمل، والأفكار التي قد تكون مفيدة مستقبلا توضع في مكان يمكن الرجوع إليه، أما الأمور التي لا تحتاج إلى فعل حالي، فيمكن الاحتفاظ بها في قائمة للمراجعة المستقبلية، الهدف هو أن يصبح النظام الخارجي واضحا إلى درجة تجعل الإنسان يعرف أين يجد كل معلومة عندما يحتاج إليها.
ويؤكد آلن أن المهمة التي تحتاج إلى وقت طويل يجب التعامل معها باعتبارها مشروعا وليس مهمة واحدة، فمثلا تنظيم حفل أو تجهيز رحلة أو إنهاء مشروع عمل ليست أفعالا محددة، وإنما نتائج تتطلب مجموعة من الخطوات، لذلك ينبغي تحديد النتيجة النهائية، ثم تحديد الخطوة التالية القابلة للتنفيذ، وقد تكون هذه الخطوة مجرد الاتصال بشخص، أو البحث عن معلومة، أو شراء شيء، أو إرسال رسالة، هذه الطريقة تقلل الإحساس بثقل المشروعات الكبيرة وتساعد على تحويلها إلى أفعال بسيطة يمكن البدء فيها فورا.
ومن أهم الأفكار في الكتاب مفهوم “الخطوة التالية”. كثيرا ما تتعطل الأعمال لأن الإنسان يعرف أنه يريد إنجاز شيء لكنه لا يعرف ما الذي ينبغي فعله الآن، لذلك يقترح آلن أن نسأل باستمرار: ما الخطوة العملية التالية؟ عندما يكون السؤال محددا، يصبح اتخاذ القرار أسهل بكثير. فإذا كان الهدف هو تجديد المنزل، فالخطوة التالية قد تكون الاتصال بفني، أو قياس مساحة، أو مقارنة الأسعار، بدلا من ترك المهمة تحت عنوان عام مثل “تجديد المنزل”.
ويضع آلن أيضا قاعدة مهمة للتعامل مع الأشياء الواردة إلينا، سواء كانت رسائل إلكترونية أو أوراقا أو طلبات أو أفكارا. لا ينبغي أن نتركها في حالة معلقة، يجب أن نقرر ماذا تعني، وهل تحتاج إلى إجراء، وهل يمكن تنفيذها بسرعة، أم تفويضها لشخص آخر، أم تأجيلها، أم الاحتفاظ بها للمستقبل، أم التخلص منها، هذه القرارات تمنع تراكم الأشياء غير المحسومة الذي يؤدي إلى الفوضى والإرهاق.
ومن المبادئ الشهيرة في النظام قاعدة الدقيقتين، وهي أنه إذا كان الشيء يمكن إنجازه في نحو دقيقتين أو أقل، فمن الأفضل إنجازه فورا بدلا من إدخاله في نظام المتابعة، الفكرة ليست أن كل مهمة صغيرة يجب تنفيذها فورا مهما كان الظرف، وإنما أن بعض الأعمال القصيرة تستهلك طاقة أكبر عندما نحاول تسجيلها وتذكرها ومراجعتها لاحقا من الطاقة التي تحتاجها لإنجازها مباشرة.
لكن النظام لا ينجح بمجرد إنشاء قوائم، فالقوائم القديمة وغير المراجعة يمكن أن تتحول هي نفسها إلى مصدر للضغط، لذلك يشدد آلن على أهمية “المراجعة الأسبوعية”، حيث يخصص الشخص وقتا منتظما لمراجعة ما لديه من مشروعات ومواعيد ومهام وأفكار، والتأكد من أن النظام يعكس الواقع الحالي، هذه المراجعة تمنح الإنسان شعورا بالسيطرة، لأنه يعرف ما الذي يحدث وما الذي يحتاج إلى اهتمام وما الذي يمكن تأجيله.
ويؤكد الكتاب أن الإنتاجية لا تعني القيام بأكبر عدد ممكن من المهام، فقد يكون الشخص مشغولا طوال اليوم لكنه لا ينجز الأشياء الأكثر أهمية، الإنتاجية الحقيقية هي أن تكون لديك صورة واضحة لما يجب فعله، وأن تعرف ما الذي يستحق اهتمامك في اللحظة الحالية، ولهذا فإن النظام الذي يقترحه آلن لا يهدف إلى جعل الإنسان يعمل باستمرار، وإنما إلى تحرير عقله من التفكير المتكرر في الالتزامات حتى يستطيع استخدام تركيزه في العمل الحقيقي والحياة الشخصية.
ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى مستويات مختلفة من التفكير، هناك أشياء تحتاج إلى تنفيذ مباشر، وهناك مشروعات تحتاج إلى تخطيط، وهناك أهداف أكبر تحتاج إلى رؤية طويلة المدى، عندما تختلط هذه المستويات داخل العقل، يصبح التفكير مرهقا، أما عندما يتم تنظيمها، يستطيع الإنسان الانتقال من التفاصيل اليومية إلى الصورة الأكبر دون أن يفقد السيطرة على أي منهما.
ويشير آلن إلى أن الراحة والإبداع يحتاجان أيضًا إلى عقل خالٍ نسبيا من الالتزامات المعلقة، فعندما يكون العقل مشغولا بتذكر ما لم يتم إنجازه، يصبح من الصعب الاسترخاء أو التفكير بصورة إبداعية، لذلك فإن تنظيم المهام ليس مجرد وسيلة لزيادة الإنتاج، وإنما وسيلة لاستعادة الإحساس بالراحة والحرية الذهنية.
في النهاية، يقدم إنجاز الأمور فلسفة تقوم على فكرة بسيطة: لا تحاول أن تجعل عقلك مستودعا لكل ما يجب عليك فعله، التقط الأشياء ووضحها وحدد الخطوة التالية ونظمها في نظام موثوق وراجع هذا النظام باستمرار، عندما تعرف ما الذي يجب فعله وأين ومتى، تتوقف عن استنزاف طاقتك في محاولة تذكر كل شيء، وتبدأ في توجيه انتباهك إلى الشيء الذي أمامك الآن.
والرسالة الأعمق في الكتاب أن السيطرة على الحياة لا تعني أن نتحكم في كل الظروف، فهذا مستحيل، وإنما أن نمتلك طريقة واضحة للتعامل مع الأشياء التي تقع على عاتقنا، فبدلا من أن تعيش في حالة دائمة من “لا أنسى أن أفعل كذا”، يتحول الأمر إلى “أنا أعرف أين سجلت هذا، ومتى سأتعامل معه”، عندها يصبح العقل أكثر هدوءا، والعمل أكثر وضوحا، ويصبح الإنسان قادرا على الإنجاز دون أن يشعر بأنه يطارد عشرات الأشياء في الوقت نفسه.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: إنجاز الأمور — Getting Things Done: The Art of Stress-Free Productivity
المؤلف: ديفيد آلن (David Allen)
دار النشر: Viking
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2001
عدد الصفحات: 352 صفحة تقريبًا، حسب الطبعة
رقم الإيداع: يختلف حسب الطبعة
ISBN: 9780670035613







