The Great Global Transformation
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
ماذا يحدث للعالم عندما تتغير موازين الثروة والقوة في الوقت نفسه هذا هو السؤال الذي يقودنا إلى واحدة من أهم أفكار برانكو ميلانوفيتش عن التحول الاقتصادي الكبير الذي يعيشه العالم حيث لم تعد الخريطة الاقتصادية القديمة قادرة على تفسير الواقع الجديد ولم يعد من السهل النظر إلى العالم باعتباره مساحة تتحرك فيها الدول وفق قواعد واحدة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها
التحول الأساسي الذي يركز عليه الكتاب يرتبط بصعود آسيا وبالتحديد الصين وما أحدثه ذلك من إعادة توزيع هائلة للدخل العالمي فالعولمة لم تكن مجرد زيادة في التجارة والاستثمارات وإنما كانت عملية ضخمة أعادت ترتيب مواقع البشر داخل الاقتصاد العالمي فطبقات واسعة من سكان آسيا ارتفعت دخولها وتحسنت قدرتها على الاستهلاك بينما شعرت شرائح من الطبقة الوسطى الغربية بأن المكاسب التي وعدتها بها العولمة لم تصل إليها بالقدر نفسه
هذا التغير الاقتصادي حمل معه تغيرًا سياسيًا لأن الاقتصاد لا يعيش منفصلًا عن مشاعر الناس عندما يشعر المواطن بأن بلده يفقد جزءًا من قوته أو أن دخله لا يتحرك بينما تتسع ثروات فئة صغيرة تبدأ الثقة في النظام الاقتصادي نفسه بالتراجع وهنا تظهر النزعات القومية والحمائية والهجوم على التجارة الحرة والهجرة والنخب السياسية والاقتصادية
الفكرة الأكثر إثارة تظهر عندما يربط ميلانوفيتش بين صعود الصين وتراجع النموذج النيوليبرالي الذي هيمن على العالم خلال العقود الماضية فالنظام الذي شجع تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال أصبح يواجه مقاومة من الدول التي استفادت منه ثم بدأت تخشى نتائجه ومن هنا يظهر تصور جديد يمكن وصفه بالليبرالية السوقية الوطنية حيث يستمر السوق داخل الدولة بينما تتراجع الرغبة في ترك الاقتصاد العالمي يتحرك بلا قيود
الصراع بين الولايات المتحدة والصين يصبح في هذا السياق أكثر من مجرد منافسة تجارية أو سباق على التكنولوجيا فالقصة الحقيقية تتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي ومن يستطيع حماية مصالحه عندما تتعارض العولمة مع الحسابات الوطنية
الولايات المتحدة تدخل هذا التحول وهي تحمل آثار عقود طويلة من السياسات التي ساعدت على تراكم الثروة في قمة الهرم بينما تعرضت قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى لضغوط اقتصادية وصناعية أما الصين فقد صعدت بطريقة مختلفة وخلقت طبقة جديدة واسعة من أصحاب الدخول المرتفعة مع استمرار الدولة في لعب دور كبير داخل الاقتصاد
هذه المفارقة تجعل العالم أمام نظام اقتصادي أكثر تعقيدًا فالصين ليست نسخة من الرأسمالية الغربية والولايات المتحدة لم تعد تتحرك دائمًا بمنطق العولمة المفتوحة كما كان متوقعًا بعد نهاية الحرب الباردة والنتيجة هي عالم متعدد المراكز تتنافس داخله القوى الكبرى على التجارة والتكنولوجيا والاستثمارات والموارد والنفوذ
المشكلة أن إعادة توزيع الثروة لا تعني بالضرورة زيادة الشعور بالسعادة أو الاستقرار فحتى عندما يصبح العالم أكثر ثراء يمكن أن يشعر الإنسان بأن موقعه الشخصي يتراجع إذا رأى أن الآخرين يتقدمون بسرعة أكبر وهنا تصبح المقارنة الاجتماعية قوة سياسية هائلة لأنها تحول الفوارق الاقتصادية إلى غضب ثم إلى مطالب بإعادة بناء النظام
تزداد أهمية هذه الفكرة مع عودة القومية وارتفاع شعبية الحركات السياسية التي تعد باستعادة السيطرة الوطنية على الاقتصاد والحدود والصناعة فالمواطن الذي يرى مصنعًا يغلق أو وظيفة تنتقل إلى الخارج قد لا يهتم كثيرًا بالأرقام الإجمالية للنمو بقدر اهتمامه بسؤال بسيط وهو ماذا حدث لحياتي أنا
الكتاب لذلك لا يقدم حكاية عن الصين وأمريكا فقط بل يقدم صورة لعالم يتغير من الداخل حيث تتبدل الطبقات الاجتماعية وتتحرك مراكز القوة ويتراجع الاعتقاد بأن نموذجًا اقتصاديًا واحدًا يمكن أن يصبح وصفة عالمية للجميع
المشهد القادم يبدو أكثر تعددًا وأقل قابلية للتنبؤ فالقوى الصاعدة لن تقبل بالضرورة قواعد وضعتها قوى أقدم بينما لن تتخلى القوى القديمة بسهولة عن امتيازاتها وهنا يصبح الاقتصاد لغة أخرى للصراع الدولي
قيمة الكتاب الحقيقية أنه يجعلنا ننظر إلى التجارة والحماية والضرائب والثروة والهجرة والقومية باعتبارها أجزاء من قصة واحدة قصة انتقال العالم من مرحلة كانت فيها قواعد اللعبة أكثر وضوحًا إلى مرحلة جديدة لم تكتمل ملامحها بعد
العالم الذي عرفناه بعد الحرب الباردة كان يبدو وكأنه يتجه نحو مزيد من الاندماج لكن التاريخ قرر أن يفتح الباب في الاتجاه الآخر عالم أكثر تنافسًا وأكثر قومية وأكثر تعددًا وربما لهذا فإن السؤال الأهم لم يعد من سيربح الصراع بين أمريكا والصين بل كيف سيعيش بقية العالم داخل النظام الذي يتشكل بينهما
وهنا تكمن قوة الكتاب لأن التحول العالمي لا يحدث في الأسواق وحدها بل يحدث داخل حياة البشر وفي توقعاتهم وفي خوفهم من المستقبل وفي الطريقة التي ينظرون بها إلى دولتهم وإلى الآخرين وربما يكون أخطر ما في المرحلة الجديدة أن العالم لا يعود إلى الماضي لكنه أيضًا لم يصل بعد إلى المستقبل ولذلك فإن القواعد القديمة تفقد قوتها قبل أن تولد القواعد الجديدة
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق الكتاب الأصلية محفوظة لمؤلفه وناشره وأصحاب الحقوق المعنيين.
Title
The Great Global Transformation
Author
Branko Milanovic
Publisher
University of Chicago Press
Country of Publication
United States
Edition
First Edition
Year of Publication
2026
Number of Pages
272
Deposit Number
غير متاح
ISBN
9780226846415







