بقلم عمرو فكري
فوضى السرد في كتب التاريخ المقنع
من هوية اليمن وعروبة أهلها إلى إسكات التاريخ الفلسطيني وإبراز الآخر
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
يبدأ الكتاب من فكرة تبدو بسيطة لكنها شديدة الخطورة وهي أن التاريخ لا يصبح حقيقة لمجرد أنه كُتب وأن الرواية التاريخية يمكن أن تتحول إلى أداة لصناعة الوعي وتشكيل الهوية وتحديد ما الذي يجب أن يتذكره الناس وما الذي ينبغي أن يختفي من ذاكرتهم ومن هنا يدخل عارف أحمد إسماعيل المخلافي إلى منطقة شديدة الحساسية محاولًا تفكيك ما يسميه التاريخ المقنع وهو المصطلح الذي بناه المؤلف عبر سنوات طويلة من القراءة والبحث ليصف به سرديات يرى أنها أعادت تشكيل الماضي من خلال إسقاطات لا تستند إلى الأدلة التاريخية الكافية
تأخذ اليمن موقعًا أساسيًا في هذه الرحلة الفكرية لأن السؤال الأول يتعلق بعروبة أهل اليمن قبل الإسلام وكيف جرى التعامل مع هذه المسألة داخل بعض الكتابات الحديثة فالمؤلف لا يريد أن يترك القضية في مساحة الانطباعات أو الشعارات وإنما يحاول نقل النقاش إلى ميدان الأدلة ويستدعي النقوش القديمة واللغات والوثائق والشعر الجاهلي والنصوص الدينية حتى يصبح السؤال متعلقًا بما تقوله الشواهد لا بما يرغب أحد في أن تقوله
يعتمد الكتاب على فكرة محورية وهي أن النقش القديم ليس مجرد قطعة أثرية جميلة يمكن وضعها داخل متحف وإنما وثيقة تتحدث عن الإنسان الذي عاش وكتب وسمى نفسه ووصف مجتمعه وعلاقاته ولهذا يستعيد المؤلف نماذج من النقوش السبئية والحميرية والديدانية واللحيانية والثمودية والصفائية والنبطية والتدمرية والحضرية وغيرها ليبحث عن صورة العرب داخل هذه المصادر القديمة ويطرح سؤالًا مثيرًا حول الطريقة التي كان العرب يعرفون بها أنفسهم ولماذا ارتبطت أسماؤهم أحيانًا بالمناطق والقبائل والمهن بدل الحاجة إلى استخدام كلمة العربي باعتبارها لقبًا شخصيًا
تتسع الحكاية بعد ذلك من اليمن إلى مفهوم الجغرافيا نفسها لأن المؤلف يرى أن المشكلة لا تتوقف عند تغيير اسم أو تفسير نقش وإنما قد تصل إلى صناعة جغرافيا متخيلة تجعل الأماكن تتحرك داخل الرواية التاريخية وتعيد ترتيب الذاكرة بطريقة مختلفة فالجغرافيا ليست مجرد حدود مرسومة على الخريطة بل هي جزء من ذاكرة الشعوب وعندما تتغير صورة المكان داخل السرد يتغير معها فهم الإنسان لتاريخه وصلته بأرضه
يضع الكتاب فلسطين داخل هذه المعادلة لتصبح المسألة أكبر من اليمن وحدها فالفصل الخاص بالتاريخ الفلسطيني يبحث في الطريقة التي يرى المؤلف أنها أدت إلى إسكات جوانب من التاريخ الفلسطيني مقابل تضخيم روايات أخرى مرتبطة بالتاريخ التوراتي المتخيل وهنا يتحول الصراع من مجرد اختلاف بين مؤرخين إلى سؤال عن القوة التي يمتلكها السرد في تحديد من يظهر في التاريخ ومن يختفي ومن يصبح صاحب المكان ومن يتحول إلى هامش في رواية كتبها الآخرون
يستند المؤلف في نقده إلى مجموعة واسعة من الشواهد فيحضر التاريخ المصري القديم والتاريخ الآشوري ومراسلات تل العمارنة إلى جانب النقوش العربية القديمة والنصوص الدينية والشعر الجاهلي وهذه الأدوات تكشف طبيعة المنهج الذي يريد الكتاب تقديمه فالمؤلف لا يكتفي برواية رواية بديلة وإنما يحاول بناء اعتراضه على المقارنة بين المصادر وعلى البحث عن التناقضات التي تظهر عندما تتعامل بعض الكتب مع فرضيات معينة باعتبارها حقائق نهائية
تظهر أهمية النقد التاريخي هنا باعتباره وسيلة لحماية الذاكرة من التحول إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل بلا ضوابط فالتاريخ بالنسبة للكتاب ليس قصة ممتعة عن الماضي وإنما علم يحتاج إلى دليل ومقارنة وسياق وفهم للغة والمكان والزمن وكلما ابتعدت الرواية عن هذه الأدوات أصبحت أكثر عرضة لأن تتحول إلى سردية تخدم فكرة مسبقة بدل أن تكشف ما حدث بالفعل
ينتقل الكتاب في مرحلة لاحقة إلى مشكلة أكثر تعقيدًا وهي انتقال الأفكار غير المثبتة من كتاب إلى آخر حتى تصبح بمرور الوقت مراجع يستند إليها مؤلفون جدد وهنا تظهر دائرة مغلقة تبدأ بفرضية ثم تتحول الفرضية إلى رواية ثم تصبح الرواية مصدرًا ويأتي باحث آخر فيتعامل معها باعتبارها حقيقة لأنها وردت في مصدر سابق وهكذا يمكن أن تتضخم الفكرة عبر التكرار حتى تبدو أقوى من الأدلة التي بدأت منها
يصبح الخطر الحقيقي في هذه الحالة أن الذاكرة الجمعية نفسها يمكن أن تتغير دون أن يشعر الناس كيف حدث ذلك فالجيل الجديد لا يقرأ الماضي من خلال الشواهد الأصلية غالبًا وإنما يقرأه من خلال الكتب التي وصلته وإذا حملت تلك الكتب تصورات مشوهة أو انتقائية فقد يرث الإنسان تاريخًا مختلفًا عن التاريخ الذي تكشفه المصادر الأصلية
لا يقدم الكتاب المسألة باعتبارها معركة بين الماضي والحاضر فقط بل يضعها داخل معركة أوسع حول معنى المعرفة نفسها فالباحث الذي يتعامل مع التاريخ يحتاج إلى شجاعة تسمح له بمراجعة ما اعتاد الناس اعتباره مسلمًا به كما يحتاج في الوقت نفسه إلى تواضع يجعله قادرًا على الاعتراف بأن بعض الأسئلة قد تظل مفتوحة وأن الأدلة الجديدة يمكن أن تغير فهمنا للماضي
تتحول اليمن داخل هذا السرد إلى أكثر من موضوع تاريخي فهي تصبح مثالًا على الطريقة التي يمكن أن تتداخل بها الهوية والجغرافيا واللغة والآثار والسياسة داخل صناعة الرواية التاريخية وكلما اقترب القارئ من النقوش والمصادر القديمة أصبح واضحًا أن الماضي أكثر تعقيدًا من القصص الجاهزة التي تقدم له في صفحات مختصرة
ينتهي الكتاب إلى فكرة تترك القارئ أمام مسؤولية كبيرة وهي أن الدفاع عن التاريخ لا يعني الدفاع عن رواية بعينها وإنما الدفاع عن حق الإنسان في أن يعرف ماضيه من خلال الأدلة وأن يميز بين الحقيقة والفرضية وبين الوثيقة والتفسير وبين البحث العلمي والرواية التي صيغت لخدمة تصور مسبق
وهنا تصبح فوضى السرد ليست مجرد عنوان لكتاب وإنما تحذير من أن أخطر ما يمكن أن يحدث للتاريخ ليس أن يختفي بالكامل بل أن يبقى حاضرًا في الكتب بعد أن تتغير معانيه وأن يقرأ الناس ماضيهم من خلال حكايات تبدو مكتملة بينما تخفي وراءها أسئلة لم تجد إجاباتها بعد ولذلك يضع الكتاب القارئ أمام مهمة لا تنتهي عند قراءة الماضي بل تبدأ من لحظة اكتشاف أن كل رواية تاريخية تحتاج إلى سؤال وأن كل سؤال يحتاج إلى دليل وأن الذاكرة التي لا تراجع نفسها قد تتحول مع الوقت إلى ساحة يكتب فيها الآخرون قصة الإنسان بدلًا منه
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان فوضى السرد في كتب التاريخ المقنع من هوية اليمن وعروبة أهلها إلى إسكات التاريخ الفلسطيني وإبراز الآخر
المؤلف أ.د عارف أحمد إسماعيل المخلافي
الناشر عناوين بوكس
بلد النشر فلسطين
الطبعة الإصدار الأول
سنة النشر 2026
عدد الصفحات 265 صفحة
رقم الإيداع غير متوفر في البيانات المنشورة
ISBN 9781917828437







