تلخيص: رامي البنا
قراءة صحفية تحليلية في كتاب جيرهارد روث Bildung braucht Persönlichkeit: Wie Lernen gelingt
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
١ـ رسالة الكاتب للقارئ
ماذا لو كان السؤال الحقيقي في التعليم ليس، كم يعرف الطالب، وإنما كيف يتعلم، ولماذا يتعلم، وما الذي يجعل المعرفة تبقى في عقله بدل أن تمر به ثم تمضي كأنها لم تكن؟
من هذا السؤال يفتح جيرهارد روث الباب أمام واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الإنسان، قضية التعلم وبناء الشخصية، فالتعليم في رؤيته ليس عملية لحشو العقول بالمعلومات، وليس سباقًا بين الطلاب في الحفظ والاستظهار، وإنما رحلة تتداخل فيها الشخصية مع الذكاء، والدافع مع الذاكرة، والمشاعر مع القدرة على الفهم.
يرى روث أن نجاح التعلم لا يمكن فصله عن طبيعة المتعلم نفسه، فهناك إنسان يتعلم لأنه يريد أن يعرف، وآخر يتعلم لأنه يخشى العقاب، وثالث يبحث عن معنى فيما يدرسه، ورابع يحفظ من أجل الامتحان ثم ينسى بعده، وبين هؤلاء جميعًا يظهر السؤال الأكبر، هل نحن نعلّم الإنسان فعلًا، أم نعلّمه كيف ينجح في اختبار؟
ومن هنا تأتي رسالة الكتاب، أن التعليم الحقيقي يبدأ عندما نرى الطالب باعتباره شخصية لها مشاعر ودوافع وقدرات وتجارب، لا باعتباره رقمًا في كشف الدرجات.
فالمعرفة التي لا تجد دافعًا يحركها، قد تظل معلقة في الذاكرة، أما المعرفة التي ترتبط بالمعنى والانفعال والتجربة، فتجد طريقها إلى العقل والقلب معًا.
٢ـ الأفكار القائمة عليها الكتاب
يقوم الكتاب على فكرة محورية مفادها أن التعلم عملية شخصية قبل أن يكون عملية تعليمية، فالمدرس قد يشرح المعلومة، والكتاب قد يقدمها، والمنهج قد يرتبها، لكن كل ذلك لا يضمن أن تصل المعرفة إلى عقل المتعلم بالطريقة التي تجعلها ثابتة وقابلة للاستخدام.
ويربط روث بين التعلم وبين مجموعة من العوامل، من بينها الذكاء، والدافعية، والانتباه، والمشاعر، والقدرة على تكوين المعرفة واستدعائها، ولذلك فإن الحديث عن تطوير التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الكتب والمناهج، وإنما يجب أن يصل إلى الإنسان الذي يقف خلف عملية التعلم.
ويمنح المؤلف الدافعية مكانة أساسية، فالإنسان يتعلم بصورة أفضل عندما يشعر أن ما يتعلمه له قيمة ومعنى، وعندما يجد سببًا يدفعه إلى الاستمرار، فالعقل قد يستقبل المعلومة، لكنه لا يحتفظ بها دائمًا إذا لم يجد فيها ما يستحق البقاء.
كما يناقش الكتاب أهمية المشاعر في عملية التعلم، فالعاطفة ليست ضيفًا ثقيلًا على التعليم كما قد يظن البعض، بل هي جزء من الطريقة التي ينتبه بها الإنسان ويتذكر ويفسر ويقرر.
ومن هنا يصبح المعلم الناجح ليس مجرد ناقل للمعلومات، وإنما شخصًا يستطيع أن يصنع بيئة تساعد المتعلم على الانتباه، والسؤال، والمحاولة، والخطأ، ثم المحاولة من جديد.
٣ـ بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب وهي أن:
أولى هذه النقاط أن التعليم لا يمكن أن ينجح بعيدًا عن الشخصية، لأن كل طالب يدخل الفصل الدراسي ومعه تاريخ خاص، وقدرات مختلفة، ومستوى مختلف من الدافعية، وطريقة مختلفة في استقبال المعرفة.
والنقطة الثانية أن الذكاء وحده لا يضمن النجاح في التعلم، فالقدرة العقلية مهمة، لكنها ليست العامل الوحيد، إذ يمكن للدافعية والانضباط والاهتمام والمثابرة أن تغير شكل النتيجة، وقد يتفوق من يملك الرغبة والاستمرار على من يملك قدرة أكبر لكنه لا يجد سببًا يدفعه إلى العمل.
أما النقطة الثالثة فتتعلق بـ أهمية المشاعر، فالخوف المستمر قد يقتل الرغبة في التعلم، والضغط الزائد قد يحول المعرفة إلى عبء، بينما يمكن للفضول والحماس والشعور بالأمان أن يجعل العقل أكثر استعدادًا للاستقبال والفهم.
ويشير الكتاب كذلك إلى أن المعرفة تحتاج إلى تكرار وتثبيت وربط، فالمعلومة التي تمر سريعًا دون ممارسة أو استخدام قد تتلاشى، بينما المعرفة التي تدخل في سياق عملي وتُستدعى مرة بعد أخرى تصبح أكثر رسوخًا.
كما يلفت روث الانتباه إلى دور المعلم، فالمعلم لا ينجح فقط بما يعرفه، وإنما بقدرته على فهم المتعلم، وبناء علاقة تعليمية تجعل الطالب شريكًا في العملية لا مجرد متلقٍ ينتظر التعليمات.
وهنا تظهر خلاصة مهمة، التعليم الجيد لا يسأل فقط ماذا نريد أن يتعلم الطالب، بل يسأل أيضًا من هو هذا الطالب، وكيف يفكر، وما الذي يحفزه، وما الذي يجعله قادرًا على الاستمرار.
٤ـ الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:
يخاطب الكتاب المعلمين، وأولياء الأمور، والمهتمين بالتربية والتعليم، وكل من يرى أن إصلاح التعليم يبدأ من فهم الإنسان قبل تغيير المناهج.
وهو كتاب مهم كذلك للطلاب والباحثين عن تطوير قدراتهم على التعلم، لأنه ينقل القضية من سؤال «كيف أحفظ أكثر؟» إلى سؤال أكثر عمقًا، «كيف أفهم بصورة أفضل؟ وكيف أجعل المعرفة جزءًا من شخصيتي وطريقة تفكيري؟»
كما يخاطب صناع القرار والمسؤولين عن المؤسسات التعليمية، لأن أفكار الكتاب تضع أمامهم حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن أي نظام تعليمي يهتم بالمحتوى ويهمل شخصية المتعلم، قد ينجح في إنتاج شهادات، لكنه قد يفشل في إنتاج إنسان قادر على التفكير.
فالتعليم ليس مصنعًا للشهادات، وإنما صناعة للعقول، وبناء للشخصيات، وإعداد للإنسان كي يعرف كيف يعيش، وكيف يسأل، وكيف يختار، وكيف يتعلم حتى بعد انتهاء المدرسة والجامعة.
٥ـ أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلى:
من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يجمع بين علم الأعصاب وعلم النفس والتربية، فلا ينظر إلى التعليم باعتباره قضية مدرسية فقط، وإنما يضعه داخل منظومة أوسع تتعلق بكيفية عمل العقل، وكيف تتكون الدوافع، وكيف تؤثر المشاعر في التعلم.
كما يتميز الكتاب بمحاولة نقل المعرفة العلمية إلى واقع المدرسة، فلا يكتفي بالسؤال عن كيفية عمل الدماغ، وإنما يبحث في السؤال الأهم، ماذا يعني ذلك للمعلم، وللطالب، ولطريقة بناء الدرس؟
وتظهر قوته كذلك في نقد التصورات البسيطة التي تختزل النجاح الدراسي في الذكاء وحده، أو في كثرة المعلومات، أو في زيادة ساعات الدراسة، فالتعلم في رؤية روث يحتاج إلى بيئة مناسبة، ودافع حقيقي، وممارسة مستمرة، وطريقة تدريس تراعي طبيعة المتعلم.
لكن القراءة النقدية للكتاب تكشف أيضًا أن بعض أطروحاته تحتاج إلى التعامل معها بحذر، لأن تحويل نتائج علم الأعصاب إلى قواعد مباشرة للمدرسة ليس دائمًا أمرًا بسيطًا، كما أن البيئة التعليمية تختلف من مجتمع إلى آخر، وما يصلح في سياق قد يحتاج إلى تعديل في سياق مختلف.
كذلك فإن التركيز على الشخصية والدافعية لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل العوامل الاجتماعية والاقتصادية، فليس كل تعثر تعليمي سببه ضعف الدافع، وليس كل فشل في التعلم مسؤولية الطالب أو المعلم وحدهما.
ومن هنا تظل قيمة الكتاب الأكبر في أنه يفتح الأسئلة، لا في أنه يقدم وصفة واحدة تصلح لكل مدرسة، ولكل طالب، ولكل مجتمع.
٦ـ ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
أول سؤال يتركه الكتاب في الذهن هو، هل يمكن أن نعلّم الإنسان بالطريقة نفسها التي نعلّم بها الجميع؟
ربما لا، لأن البشر لا يدخلون إلى الفصل الدراسي بالعقل نفسه، ولا بالتجربة نفسها، ولا بالدافع نفسه، ولذلك فإن التعليم الذي يعامل الاختلاف باعتباره مشكلة قد يخسر فرصة تحويل الاختلاف إلى قوة.
والسؤال الثاني، هل كثرة المعلومات تعني تعليمًا أفضل؟
ليس بالضرورة، فقد يحمل الطالب عشرات المعلومات في رأسه دون أن يعرف كيف يستخدمها، بينما قد يكون أكثر فائدة أن يمتلك عددًا أقل من المعارف، لكنه يعرف كيف يربط بينها، وكيف يسأل عنها، وكيف يوظفها في الواقع.
وهنا تظهر قضية شديدة الأهمية، وهي الفرق بين الحفظ والتعلم، فالحفظ قد يكون خطوة في طريق المعرفة، لكنه ليس المعرفة كلها، لأن التعلم الحقيقي يبدأ عندما تصبح المعلومة أداة للتفكير لا مجرد إجابة جاهزة في ورقة امتحان.
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية، هل المدرسة تصنع شخصية الطالب، أم أن الشخصية هي التي تحدد طريقة تعلمه؟
الحقيقة أن العلاقة متبادلة، فالإنسان يدخل المدرسة بشخصية معينة، لكنه يخرج منها وقد تغيرت فيه أشياء كثيرة، ولذلك فإن المدرسة ليست مكانًا لتوزيع الدروس فقط، وإنما بيئة يمكن أن تعزز الثقة أو تزرع الخوف، تفتح باب السؤال أو تغلقه، تجعل الخطأ فرصة للتعلم أو تجعله مصدرًا للعار.
وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق في الكتاب، أن التعليم الذي يخاف من الخطأ قد يصنع طالبًا يخاف من التفكير، والتعليم الذي يسمح بالسؤال قد يصنع إنسانًا لا يخاف من المعرفة.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة، إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
وفي النهاية، يتركنا جيرهارد روث أمام سؤال لا يتعلق بالمدرسة وحدها، بل بالإنسان كله، ماذا لو كان مستقبل التعليم لا يتوقف على كمية ما نضعه في عقول أبنائنا، وإنما على الطريقة التي نجعلهم بها يحبون أن يتعلموا؟
فربما لا يكون النجاح أن يعرف الطالب الإجابة دائمًا، وإنما أن يمتلك الشجاعة ليسأل، والقدرة ليبحث، والصبر ليخطئ، والرغبة ليحاول من جديد.
فالعلم الذي لا يغير طريقة التفكير، قد يبقى معلومات، والتعليم الذي لا يبني شخصية، قد يبقى شهادة، أما التعليم الحقيقي، فهو الذي يجعل الإنسان أكثر فهمًا لنفسه، وأكثر وعيًا بالعالم، وأكثر قدرة على أن يتعلم حين لا يعود هناك معلم يقف أمامه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: Bildung braucht Persönlichkeit: Wie Lernen gelingt
العنوان بالعربية: التعليم يحتاج إلى شخصية: كيف ينجح التعلم
المؤلف: Gerhard Roth – جيرهارد روث
دار النشر: Klett-Cotta
بلد النشر: ألمانيا
الطبعة: طبعة منقحة وموسعة
سنة النشر: 2015
عدد الصفحات: 413 صفحة
رقم الإيداع: مسجل في فهرس المكتبة الوطنية الألمانية، وسجل الكتاب تحت رقم 1070259233.
ISBN: 978-3-608-98055-4.







