قراءة تحليلية في كتاب «نشأة العلاقات الاجتماعية الإنسانية» لـ إتش. آر. شافر

تمهيد ..

قبل أن يتعلم الإنسان الكلام، وقبل أن يعرف كيف يشرح مشاعره أو يدافع عن أفكاره، يبدأ في بناء علاقاته مع الآخرين.
الرضيع لا يعيش بمعزل عن محيطه، بل يتعلم منذ الأشهر الأولى من خلال التواصل والنظر والصوت واللمس والاستجابة لمن حوله. ومن هتا تأتي أهمية كتاب «نشأة العلاقات الاجتماعية الإنسانية»، الذي يناقش واحدا من الأسئلة الأساسية في علم نفس النمو:
كيف يبدأ الإنسان في تكوين علاقاته الاجتماعية؟
وهل يولد الطفل مزودا باستعداد للتواصل، أم أن العلاقات الاجتماعية تتشكل بالكامل من خلال البيئة والتعلم؟
الكتاب ليس مؤلفا فرديا بالمعنى التقليدي، بل هو مجموعة دراسات ومناقشات علمية نشرت في إطار اجتماع بحثي عقد في لندن عام 1969، ثم صدرت في كتاب عن Academic Press عام 1971، بتحرير الباحث H. R. Schaffer.

 

 

عن ماذا يتحدث الكتاب؟
يتناول الكتاب البدايات الأولى للعلاقات الاجتماعية، وخاصة العلاقة بين الطفل ومن يتولى رعايته، والتعلق، والانفصال، والخوف من الغرباء، والتفاعل بين الأم والطفل، إلى جانب المقارنات بين سلوك الإنسان وبعض الحيوانات الرئيسيات.
ولا يقدم الكتاب نظرية واحدة مغلقة، بل يجمع مجموعة من الرؤى والأبحاث التي تحاول فهم الطريقة التي ينتقل بها الطفل من مجرد الاستجابة للاحتياجات الأساسية إلى تكوين روابط اجتماعية أكثر تعقيدا.

 

البداية ليست عند الكلام:
من أهم الأفكار التي يمكن استخلاصها من موضوعات الكتاب أن العلاقات الاجتماعية لا تبدأ عندما يستطيع الطفل الحديث.
فالطفل قبل اكتساب اللغة يتفاعل بالفعل مع الأشخاص المحيطين به.
ينتبه إلى الأصوات.
يتابع الوجوه.
يستجيب للابتسامة.
يبحث عن القرب.
ويظهر سلوكا مختلفا تجاه الأشخاص المألوفين وغير المألوفين.
وهذا يعني أن الحياة الاجتماعية تبدأ في وقت أبكر بكثير مما قد يتصور الإنسان.
العلاقة بين الطفل ومقدم الرعاية:
تحتل علاقة الطفل بالشخص الذي يرعاه مكانة أساسية في دراسة النمو الاجتماعي.
فالطفل يحتاج إلى شخص يستجيب لإشاراته ويوفر له الحماية والرعاية، لكن العلاقة لا تتوقف عند تلبية الاحتياجات الجسدية.
التفاعل المتكرر يصنع نمطا من التواصل.
الطفل يرسل إشارة.
الكبير يستجيب.
الطفل يتعلم أن سلوكه يمكن أن يؤثر في العالم المحيط به.
ومن خلال هذه العملية يبدأ بناء الثقة والتوقعات الاجتماعية.
التعلق ليس مجرد اعتماد:
التعلق يعني وجود رابطة عاطفية تجعل الطفل يفضل أشخاصا معينين ويبحث عن قربهم في مواقف مختلفة.
وقد يظهر ذلك بوضوح عندما يشعر الطفل بالخوف أو الانزعاج أو عندما يواجه مكانا غير مألوف.
في هذه اللحظات قد يبحث عن الشخص الذي يمنحه شعورا بالأمان.
وهذا الجانب من العلاقات المبكرة كان من الموضوعات الأساسية في أبحاث علم نفس النمو التي ناقشتها الدراسات المرتبطة بهذا الكتاب.
الانفصال يكشف قوة العلاقة:
من الطرق التي يمكن من خلالها فهم التعلق ملاحظة ما يحدث عندما ينفصل الطفل عن الشخص المرتبط به.
قد يظهر القلق.
وقد يبكي.
وقد يحاول استعادة القرب.
ثم قد يتغير سلوكه عند عودة الشخص.
هذه الاستجابات لا تعني أن الطفل مدلل أو ضعيف، بل يمكن أن تكشف مدى أهمية العلاقة بالنسبة إليه.
ولهذا أصبحت دراسة الانفصال جزءا مهما من فهم الروابط الاجتماعية في مرحلة الطفولة.
الخوف من الغرباء:
يمر الطفل بمرحلة يبدأ فيها التمييز بصورة أوضح بين الأشخاص المألوفين والأشخاص غير المألوفين.
وقد يشعر بالقلق عند رؤية شخص غريب.
هذه الظاهرة تثير سؤالا مهما:
هل الخوف من الغريب مجرد استجابة تلقائية؟
أم أنه نتيجة لتطور قدرة الطفل على التمييز الاجتماعي؟
الدراسات التي تناولت هذه الظواهر ساعدت الباحثين على فهم أن الطفل لا يستجيب للأشخاص بالطريقة نفسها، وإنما يبدأ تدريجيا في بناء خريطة اجتماعية للعالم المحيط به.
الطفل لا يتعلم العلاقات من الكتب:
العلاقات الاجتماعية لا يتم تعليمها للطفل على شكل معلومات.
فالطفل يتعلمها من التجربة.
من طريقة حمله.
من استجابة الآخرين لبكائه.
من اللعب.
من التقليد.
من التواصل البصري.
ومن تكرار المواقف اليومية.
ولهذا فإن البيئة الاجتماعية ليست مجرد خلفية لنمو الطفل، بل جزء من عملية النمو نفسها.
أهمية التواصل المتبادل:
العلاقة بين الطفل والكبير ليست عملية في اتجاه واحد.
فالطفل يؤثر أيضا في سلوك الشخص الذي يرعاه.
ابتسامة الطفل قد تستدعي ابتسامة.
بكاؤه يدفع إلى الاقتراب.
اهتمامه بشيء ما قد يدفع الشخص البالغ إلى المشاركة.
وهكذا تتكون حلقة تفاعلية مستمرة.
وهذا الجانب مهم لأنه يبتعد عن تصور الطفل باعتباره متلقيا سلبيا للتربية.
الطفل شريك في عملية التفاعل.
هاري هارلو والعلاقات العاطفية:
ترتبط مناقشة هذا الكتاب أيضا بالبحوث الشهيرة التي أجراها عالم النفس هاري هارلو حول التعلق لدى صغار القرود.
أظهرت أبحاثه أهمية الاتصال والدفء في العلاقة بين الصغير والشخص الذي يرعاه، وأن احتياجات الكائن الصغير لا تختزل في الطعام وحده.
وقد أثرت هذه الأبحاث بصورة كبيرة في النقاش العلمي حول طبيعة الحب والتعلق والرعاية المبكرة.
وتظهر أعمال هارلو في الأدبيات العلمية المرتبطة بدراسة العلاقات الاجتماعية والانفصال والتعلق لدى الرئيسيات.
ستيفن سومي ودراسة الخبرات المبكرة:
ارتبط اسم Stephen J. Suomi أيضا بأبحاث واسعة حول تأثير الخبرات المبكرة والانفصال والعلاقات الاجتماعية في نمو قرود الريسوس.
وتشير الأدبيات العلمية إلى أعمال مشتركة بين سومي وهارلو تناولت تأثير الانفصال عن الأم والانفصال عن الأقران في السلوك الاجتماعي لاحقا.
وهذه الأبحاث ساعدت على توسيع النقاش حول العلاقة بين التجربة المبكرة والتطور الاجتماعي.
لكن الإنسان ليس قردا:
رغم أهمية استخدام الدراسات الحيوانية لفهم بعض الآليات الأساسية للسلوك، فإن نقل النتائج مباشرة إلى الإنسان يمثل مشكلة علمية.
فالإنسان يمتلك لغة وثقافة ومؤسسات اجتماعية معقدة، كما أن العلاقات الإنسانية تتأثر بالتربية والتعليم والقيم والمجتمع.
ولهذا فإن المقارنات بين الإنسان والرئيسيات تساعد على طرح الأسئلة، لكنها لا تقدم إجابات كاملة عن السلوك الإنساني.
البيئة أم الاستعداد الفطري؟
من أهم الأسئلة التي يفتحها الكتاب النقاش حول العلاقة بين الاستعداد البيولوجي والخبرة.
هل يولد الإنسان باستعداد للتعلق والتفاعل؟
أم أن هذه السلوكيات يتم تعلمها بالكامل؟
الإجابة الأكثر توازنا هي أن النمو الاجتماعي لا يمكن تفسيره بعامل واحد.
هناك استعدادات بيولوجية، لكن البيئة والعلاقات والخبرات المبكرة تؤثر في الطريقة التي تتطور بها هذه الاستعدادات.
ومن هنا يصبح الطفل نتيجة تفاعل مستمر بين طبيعته الداخلية والعالم الذي يعيش فيه.
العلاقة لا تعني الاعتماد الدائم:
من الخطأ فهم التعلق باعتباره اعتمادا يستمر إلى الأبد.
فالطفل الذي يشعر بالأمان يمكن أن يبدأ تدريجيا في الابتعاد والاستكشاف.
يقترب عندما يحتاج إلى الأمان.
ويبتعد عندما يشعر بالثقة.
ثم يعود عند الحاجة.
وهذه الحركة بين القرب والاستكشاف تمثل جزءا مهما من النمو.
ومن هنا يمكن أن تكون العلاقة الآمنة قاعدة للانطلاق، وليس سجنا يمنع الاستقلال.
أهم الأفكار في الكتاب:
العلاقات الاجتماعية تبدأ في وقت مبكر جدا من حياة الإنسان.
الطفل يتفاعل اجتماعيا قبل اكتساب اللغة.
التعلق يتشكل من خلال التفاعل المتكرر مع مقدمي الرعاية.
الانفصال يمكن أن يكشف قوة الروابط العاطفية.
الخوف من الغرباء جزء من تطور التمييز الاجتماعي.
الطفل ليس متلقيا سلبيا للبيئة.
العلاقة بين الطفل والكبير عملية متبادلة.
الخبرات المبكرة يمكن أن تؤثر في التطور الاجتماعي.
الدراسات الحيوانية تساعد في فهم بعض جوانب السلوك لكنها لا تختزل الإنسان.
النمو الاجتماعي نتيجة تفاعل بين الاستعداد البيولوجي والخبرة والبيئة.
خلاصة الكتاب في نقاط:
الإنسان كائن اجتماعي منذ بدايات حياته.
التواصل يبدأ قبل الكلام.
العلاقة العاطفية عنصر مهم في النمو المبكر.
الأمان يساعد الطفل على استكشاف البيئة.
الانفصال قد يكشف أهمية التعلق.
التفاعل اليومي يشكل جزءا من التعلم الاجتماعي.
العلاقات لا تنشأ من عامل واحد.
الخبرات المبكرة مهمة لكنها لا تحدد المستقبل بصورة مطلقة.
البيئة الاجتماعية جزء أساسي من عملية النمو.
فهم الطفل يحتاج إلى النظر إليه داخل شبكة علاقاته.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب الباحثين والطلاب المهتمين بعلم نفس النمو وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.
كما يمكن أن يكون مفيدا للمهتمين بتاريخ دراسة التعلق والعلاقات بين الطفل ومقدم الرعاية.
وهو مناسب أيضا لمن يريد فهم كيف بدأ العلماء في دراسة العلاقات الاجتماعية من خلال الملاحظة والتجارب والمقارنة بين الإنسان والحيوان.
نقاط القوة:
من أهم نقاط قوة الكتاب أنه يجمع مجموعة من الدراسات والنقاشات العلمية حول موضوع واحد، بدلا من تقديم رأي فردي فقط.
كما أن الجمع بين الدراسات الإنسانية والحيوانية يفتح مساحة واسعة للمقارنة وطرح الأسئلة حول أصل السلوك الاجتماعي.
ومن نقاط قوته أيضا أنه يتناول العلاقات في مرحلة مبكرة جدا من الحياة، وهي مرحلة أصبح تأثيرها محل اهتمام واسع في أبحاث النمو.
نقاط الضعف إن وجدت:
الكتاب ينتمي إلى مرحلة علمية تعود إلى أوائل السبعينيات، ولذلك يجب قراءة بعض أفكاره ونتائجه في سياق تاريخ علم النفس في ذلك الوقت.
كما أن الاعتماد على الدراسات الحيوانية يفرض حدودا واضحة عند محاولة تفسير السلوك الإنساني.
وقد تطورت لاحقا أبحاث التعلق والنمو الاجتماعي بصورة كبيرة، وأصبحت الصورة أكثر تعقيدا من التفسيرات المبكرة.
ملاحظات يمكن مناقشتها:
ربما يكون أهم سؤال يتركه الكتاب هو:
متى يبدأ الإنسان في أن يصبح كائنا اجتماعيا؟
الإجابة لا تبدو مرتبطة بلحظة واحدة.
فمنذ الأيام الأولى تبدأ عملية طويلة من التفاعل.
ثم تتحول الاستجابات إلى تفضيلات.
وتتحول التفضيلات إلى روابط.
وتصبح الروابط جزءا من شخصية الإنسان وطريقة تعامله مع العالم.
وفي عصرنا الحالي، حيث أصبحت العلاقات تتأثر بالتكنولوجيا والشاشات ووسائل التواصل، يبدو السؤال أكثر أهمية.
هل يمكن أن تحل التكنولوجيا محل التفاعل الإنساني المباشر في السنوات الأولى؟
أم أن وجود شخص يستجيب للطفل ويشاركه الانفعالات والتجربة يظل عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه؟
هذه الأسئلة تجعل موضوع الكتاب قابلا لإعادة القراءة حتى بعد مرور عقود على صدوره.
الكلمة الأخيرة:
تكمن القيمة الأساسية لهذا الكتاب في أنه يوجه الانتباه إلى حقيقة بسيطة:
الإنسان لا يولد منفصلا عن الآخرين.
منذ اللحظات الأولى تبدأ علاقة بين الطفل والعالم المحيط به.
نظرة.
صوت.
لمسة.
ابتسامة.
بكاء.
استجابة.
ثم تتكرر هذه اللحظات حتى تتحول إلى شبكة من العلاقات والتوقعات والمشاعر.
وقد ساهمت الدراسات التي ناقشتها أعمال هارلو وسومي وغيرهما في تغيير الطريقة التي ينظر بها الباحثون إلى الاحتياجات العاطفية للطفل، بينما قدم شافر من خلال هذا الكتاب مساحة واسعة لمناقشة جذور العلاقات الاجتماعية من منظور متعدد التخصصات.
وفي النهاية، فإن فهم الإنسان الكبير قد يبدأ من فهم الطفل الصغير.
فالكثير من السلوكيات الاجتماعية التي تبدو معقدة في مرحلة البلوغ لها جذور في رحلة بدأت قبل أن يستطيع الإنسان حتى أن ينطق كلمته الأولى.
حقوق النشر:
هذه المادة قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف بالكتاب ومناقشة موضوعاته وأفكاره.
تمت صياغة التقرير بصورة مستقلة، مع إعادة بناء الأفكار وربطها بسياق علم نفس النمو والعلاقات الاجتماعية، دون إعادة نشر نص الكتاب أو ترجمته حرفيا.
ولا تمثل المادة بديلا عن قراءة الكتاب الأصلي.
وتظل الحقوق الأدبية والفكرية للكتاب ومؤلفه ومحرره وناشريه محفوظة لأصحابها.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: The Origins of Human Social Relations
العنوان العربي: نشأة العلاقات الاجتماعية الإنسانية
المحرر: H. R. Schaffer — إتش. آر. شافر
الجهات المشاركة: Centre for Advanced Study in the Developmental Sciences و Ciba Foundation
اللغة الأصلية: الإنجليزية
النوع: علم نفس النمو والعلاقات الاجتماعية وعلم نفس الطفل
الناشر: Academic Press
مكان النشر: لندن ونيويورك
تاريخ النشر: 1971
عدد الصفحات: 297 صفحة
ISBN-10: 0126225508
ISBN-13: 9780126225504

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *