قراءة تحليلية في كتاب «الجبل هو أنت لـ بريانا ويست

تمهيد:
قد يعتقد الإنسان أن العقبات التي تمنعه من الوصول إلى ما يريد موجودة في الخارج، لكن بععض أصعب العقبات قد تكون موجودة بداخله.
عادة يؤجلها، خوف يتجنب مواجهته، علاقة يتمسك بها رغم ألمها، أو صورة قديمة عن نفسه لا يستطيع تجاوزها.

من هنا تأتي فكرة كتاب «الجبل هو أنت» للكاتبة بريانا ويست، الذي يتناول العلاقة بين الإنسان ونفسه، وكيف يمكن للعادات والمخاوف والمقاومة الداخلية أن تعطل التغيير، حتى عندما يكون الإنسان واعيا بما يريد.

ما الذي يعنيه عنوان الكتاب؟
الجبل في الكتاب ليس جبلا حقيقيا، بل استعارة للعقبات الداخلية. و قد يكون الجبل عادة سيئة تتكرر، او خوفا من الفشل، أو حاجة دائمة إلى رضا الآخرين، أو عدم القدرة على اتخاذ قرار.
والفكرة الأساسية هي أن بعض ما يقف أمام الإنسان اليوم قد يكون نتيجة تراكم سنوات من السلوكيات والاختيارات.
ولهذا لا يبدأ التغيير دائما بمحاولة إزالة المشكلة، بل بفهم الطريقة التي نشأت بها. بماذا نكرر ما نعرف أنه يؤذينا؟
قد يعرف الإنسان أن عادة معينة تضر به، ومع ذلك يستمر فيها.
وقد يعرف أن علاقة ما لا تناسبه، لكنه لا يستطيع مغادرتها.
وقد يريد النجاح، لكنه يؤجل الخطوة التي تقربه منه.
يرى الكتاب أن السلوك غير المفيد قد يؤدي أحيانا وظيفة نفسية.
التأجيل مثلا قد يحمي الإنسان مؤقتا من الخوف من الفشل.
والابتعاد عن العلاقات قد يحميه من احتمال التعرض للألم.
والانشغال المستمر قد يصبح وسيلة للهروب من مواجهة مشاعر صعبة.
وهنا يصبح السؤاال الأهم ليس فقط: لماذا أفعل ذلك؟
بل: ماذا أحاول أن أتجنب عندما أفعل ذلك؟
التخريب الذاتي:
التخريب الذاتي هو أن يفعل الإنسان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يبعده عن أهدافه.
قد يبدأ مشروعا ثم يتوقف.
قد يحصل على فرصة جيدة ثم يتراجع.
قد يقترب من النجاح ثم يبحث عن سبب للهروب.
لكن وصف الإنسان بأنه ضعيف الإرادة لا يحل المشكلة.
الأفضل هو اكتشاف النمط الذي يقف خلف السلوك.

ما الذي يحدث قبل التصرف؟
ما الشعور المصاحب له؟
وما الفائدة المؤقتة التي يحصل عليها الإنسان بعده؟
عندما يفهم الشخص هذه الحلقة، يصبح من الأسهل تغييرها.
العادات والمقاومة:
العادات تمنح الإنسان شعورا بالمألوف، حتى عندما تكون غير مفيدة.
ولهذا فإن التغيير قد يكون مخيفا.
الإنسان يعرف ما سيحدث إذا بقي في مكانه، لكنه لا يعرف تماما ما ينتظره إذا تغير.
وقد يفضل العقل أحيانا وضعا غير مريح لكنه معروف، على وضع جديد غير مضمون.
لذلك فإن مقاومة التغيير لا تعني دائما أن الإنسان لا يريد التغيير، وإنما قد تعني أنه يخشى نتائجه.
المشاعر ليست عدوا:
يدعو الكتاب إلى التعامل مع المشاعر باعتبارها معلومات تحتاج إلى فهم.
الخوف قد يشير إلى تهديد حقيقي أو متخيل.
والغضب قد يكون مرتبطا بالإحساس بالعجز.
والحزن قد يكون تعبيرا عن فقدان شيء مهم.
لكن وجود الشعور لا يعني ضرورة التصرف بناء عليه.
يمكن للإنسان أن يشعر بالخوف ويواصل طريقه.
ويمكن أن يغضب دون أن يؤذي الآخرين.
ويمكن أن يحزن دون أن يفقد قدرته على الاستمرار.
وهنا يظهر الفرق بين الشعور وبين القرار.
الماضي لا يجب أن يتحول إلى هوية:
قد تكون التجارب الماضية مؤثرة في شخصية الإنسان، لكنها لا يجب أن تصبح حكما نهائيا عليه.
فشل سابق لا يعني أن الإنسان فاشل.
وعلاقة مؤلمة لا تعني أن جميع العلاقات ستنتهي بالطريقة نفسها.
وعادة قديمة لا تعني أن تغييرها مستحيل.
الماضي يمكن أن يفسر بعض السلوكيات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عذر يمنع المستقبل.

العلاقة مع الذات:
من أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن التغيير الخارجي يبدأ غالبا من علاقة الإنسان بنفسه.
إذا كان الإنسان ينظر إلى نفسه باستمرار باعتباره عاجزا، فسوف تصبح كل محاولة جديدة اختبارا لهذه الفكرة.
أما عندما ينظر إلى نفسه باعتباره شخصا يستطيع التعلم والتطور، فإن الخطأ يصبح تجربة وليس حكما نهائيا.
وهذا لا يعني تجاهل نقاط الضعف، بل التعامل معها بصدق دون تحويلها إلى هوية ثابتة.
الحدود في العلاقات:
عدم القدرة على قول «لا» قد يكون أحد الجبال التي تعيق الإنسان.
قد يوافق على كل شيء حتى لا يغضب الآخرون.
وقد يتحمل ما لا يستطيع تحمله خوفا من خسارة العلاقة.
لكن الحدود لا تعني القسوة.
هي طريقة لتحديد ما يقبله الإنسان وما يرفضه، وما يستطيع تقديمه وما يتجاوز قدرته.
العلاقة الصحية لا تحتاج إلى إلغاء الذات.
الانضباط أهم من الحماس:
الحماس قد يدفع الإنسان إلى البداية، لكنه لا يضمن الاستمرار.
التغيير الحقيقي يحتاج إلى خطوات صغيرة تتكرر حتى في الأيام التي يختفي فيها الحماس.
ولهذا فإن بناء عادة جديدة أكثر أهمية من انتظار لحظة مثالية.
قد تكون الخطوة صغيرة، لكنها إذا تكررت تصبح جزءا من الحياة.
لا تنتظر الظروف المثالية:
من أكثر أسباب التأجيل شيوعا انتظار الوقت المناسب.
سأبدأ عندما أجد الوقت.
سأغير عملي عندما تتحسن الظروف.
سأهتم بنفسي عندما ينتهي الضغط.
لكن الحياة نادرا ما تصبح مثالية.
ولهذا قد يكون البدء بخطوة صغيرة في ظروف غير مثالية أفضل من الانتظار سنوات.

أهم أفكار التي جاءت في الكتاب:
بعض العقبات الخارجية لها جذور داخلية.
السلوك غير المفيد قد يؤدي وظيفة نفسية مؤقتة.
التخريب الذاتي يمكن فهمه وتغييره.
العادات تحتاج إلى وعي واستمرارية حتى تتغير.
المشاعر تحتاج إلى فهم وتنظيم وليس قمعا دائما.
المألوف ليس بالضرورة الأفضل.
الماضي يؤثر في الإنسان لكنه لا يجب أن يحدد مستقبله بالكامل.
الحدود الشخصية ضرورية للعلاقات الصحية.
التغيير يحتاج إلى انضباط أكثر من اعتماده على الحماس.
الخطوات الصغيرة المتكررة يمكن أن تصنع تغييرا كبيرا.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب من يشعر بأنه يعرف ما يريد لكنه يجد صعوبة في الوصول إليه.
كما يناسب من يعاني من التأجيل أو تكرار العادات غير المفيدة أو الخوف من التغيير أو صعوبة وضع الحدود.
وقد يكون مفيدا للمهتمين بالوعي الذاتي والتنظيم العاطفي وفهم السلوك الشخصي.

 

ننقاط القوة:
يتميز الكتاب باستخدام استعارة بسيطة وقوية تجعل فكرة التغيير سهلة التذكر.
كما أنه لا يكتفي بالحديث عن الأهداف، بل يحاول البحث عن الأسباب النفسية التي تجعل الإنسان يبتعد عن أهدافه.
ومن نقاط قوته أيضا الربط بين العادات والمشاعر، لأن تغيير السلوك لا يعتمد دائما على الإرادة وحدها.
نقاط الضعف إن وجدت:

قد تبدو بعض الأفكار سهلة عند قراءتها، لكنها أكثر صعوبة في التطبيق.
كما أن التركيز على المسؤولية الشخصية يحتاج إلى توازن، لأن ظروف الإنسان الخارجية قد تكون مؤثرة بصورة كبيرة ولا يمكن اختزال جميع المشكلات في طريقة التفكير.
ولهذا من الأفضل التعامل مع الكتاب كأداة للتأمل وفهم الذات، وليس كحل سريع لجميع مشكلات الحياة.
ملاحظات يمكن مناقشتها:
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الإنسان يقارن حياته باستمرار بحياة الآخرين.
يرى نجاحاتهم وصورهم ورحلاتهم، وقد يعتقد أن الجميع يتقدمون بينما هو متوقف.
لكن هذه المقارنات تعرض جزءا محدودا من الحقيقة.
وقد يكون أحد الجبال الحديثة هو محاولة بناء حياة ترضي الجمهور بدلا من بناء حياة تعبر عن الإنسان نفسه.
الكلمة الأخيرة:
«الجبل هو أنت» لا يعني أن الإنسان مسؤول عن كل مشكلة تحدث في حياته، لكنه يدعوه إلى النظر أيضا إلى الجزء الذي يستطيع تغييره.
قد لا يستطيع تغيير الماضي.
وقد لا يستطيع التحكم في الآخرين.
وقد لا يستطيع إزالة جميع الظروف الصعبة.
لكنه يستطيع أن يبدأ بفهم عاداته، ومواجهة مخاوفه، ووضع حدوده، وتغيير بعض قراراته اليومية.
الجبل لا يصعد في خطوة واحدة.
وكذلك التغيير.
قد يبدأ بخطوة صغيرة لا يلاحظها أحد، لكنها تغير اتجاه الرحلة بالكامل.
وفي النهاية، ربما لا يكون المطلوب أن تهدم الجبل.
ربما يكون المطلوب أن تبدأ في صعوده.

حقوق النشر:
هذه المادة قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف بالكتاب ومناقشة أفكاره.
تمت كتابة التقرير بصياغة مستقلة، مع إعادة بناء الأفكار وتحليلها وربطها بالحياة المعاصرة، دون إعادة نشر نص الكتاب أو ترجمته حرفيا.
ولا تمثل المادة بديلا عن قراءة الكتاب الأصلي.
وتظل الحقوق الأدبية والفكرية للكتاب محفوظة لأصحابها.

البطاقة التعريفية للكتاب :
العنوان: الجبل هو أنت
العنوان الإنجليزي: The Mountain Is You
المؤلفة: بريانا ويست — Brianna Wiest
اللغة الأصلية: الإنجليزية
الترقيم الدولي ; ISBN-10: 1949759229
النوع: تطوير الذات والوعي بالنفس والتنظيم العاطفي

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *