تمهبد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
العالم الذي اعتدنا فهمه خلال العقود الماضية لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم فقد كانت العولمة تبدو وكأنها طريق واحد يقود الجميع نحو اقتصاد عالمي أكثر ترابطا وكانت الولايات المتحدة وأوروبا تمثلان مركز القوة الاقتصادية بينما كانت دول آسيا تتحول تدريجيا من أطراف في النظام العالمي إلى قوى قادرة على إعادة تشكيله لكن صعود الصين والهند وبقية الاقتصادات الآسيوية غيّر شكل المنافسة وأعاد توزيع القوة والثروة والتأثير بطريقة يصعب تجاهلها
الفكرة الأساسية هنا أن النظام الاقتصادي العالمي لا يعيش مجرد أزمة مؤقتة بل يمر بتحول تاريخي كبير فالنموذج النيوليبرالي الذي اعتمد على تحرير التجارة وتدفق رؤوس الأموال وتوسع العولمة لم يعد قادرا على تفسير الواقع الجديد كما كان يفعل من قبل فقد أصبحت الدول أكثر اهتماما بأمنها الاقتصادي وقدرتها الصناعية والسيطرة على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد وأصبح الاقتصاد مرتبطا بصورة أكبر بالأمن والسياسة والجغرافيا
صعود الصين يمثل أحد أهم مفاتيح هذا التحول لأنها لم تدخل النظام العالمي باعتبارها دولة تبحث فقط عن النمو بل تحولت تدريجيا إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي وسياسي قادر على منافسة القوة الأمريكية في مجالات متعددة وهذا التحول لا يعني ببساطة انتقال العالم من قيادة أمريكية إلى قيادة صينية لأن الصورة أكثر تعقيدا فالنظام الجديد يبدو أقرب إلى عالم متعدد المراكز تتنافس فيه قوى كبيرة وتحاول كل دولة حماية مصالحها دون التخلي تماما عن النظام العالمي
التحول الأكبر يظهر كذلك داخل المجتمعات نفسها فالعولمة حققت مكاسب هائلة لفئات وبلدان عديدة لكنها تركت خلفها طبقات من المواطنين في الاقتصادات المتقدمة شعرت بأن النظام الاقتصادي لم يعد يعمل لصالحها وتراجع بعض قطاعات الصناعة وتغير سوق العمل وظهرت فجوات كبيرة في الدخول والثروة وكل ذلك ساعد على نمو الغضب السياسي وصعود الحركات الشعبوية والاتجاهات التي تشكك في العولمة والتجارة الحرة
الاقتصاد هنا لا ينفصل عن السياسة لأن توزيع الثروة يصنع توزيع القوة وحين يشعر المواطن بأن النظام الاقتصادي يمنحه فرصا أقل يصبح الغضب الاقتصادي وقودا سياسيا وحين تتعرض دولة لتراجع صناعي أو تكنولوجي تبدأ في النظر إلى التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد باعتبارها قضايا أمن قومي وليس مجرد أرقام في ميزان المدفوعات
مفهوم الليبرالية السوقية الوطنية يصبح مهما لفهم المرحلة الجديدة فالدول لا تتخلى بالضرورة عن الأسواق والرأسمالية لكنها تصبح أكثر حرصا على توجيه السوق لخدمة أهدافها الوطنية وهذا يعني أن المستقبل قد يجمع بين اقتصاد السوق وبين تدخل حكومي أكبر وسياسات صناعية أكثر قوة وحماية أكبر لبعض القطاعات الحيوية
التحول لا يتعلق فقط بالصراع بين واشنطن وبكين بل يمتد إلى مستقبل أوروبا التي تواجه تحديات مرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا والدفاع والقدرة الصناعية كما يفتح المجال أمام دول الجنوب العالمي للحصول على مساحة أكبر للمناورة فالدول التي كانت مضطرة سابقا للاختيار بين القوى الكبرى أصبحت قادرة بدرجات مختلفة على التفاوض مع أكثر من طرف والاستفادة من المنافسة بدلا من الخضوع الكامل لها
الاقتصاد العالمي الجديد سيكون أقل بساطة وأكثر تنافسا وقد تصبح القرارات الاقتصادية الكبرى مرتبطة بشكل مباشر بالتحالفات السياسية والتكنولوجيا والطاقة والموارد وسلاسل الإمداد وربما تصبح القدرة على إنتاج التكنولوجيا والغذاء والطاقة جزءا من تعريف القوة الاقتصادية نفسها
المثير أن هذا التحول لا يقدم لنا إجابة جاهزة عن المستقبل بل يجعل السؤال أكثر أهمية هل يستطيع العالم بناء نظام متعدد الأقطاب دون أن يتحول التنافس إلى صراع مفتوح وهل تستطيع الدول تحقيق مصالحها الوطنية دون تدمير التعاون الدولي وهل يمكن للعولمة أن تعيد اختراع نفسها بدلا من أن تختفي
قوة هذا العمل تأتي من أنه يجعل القارئ ينظر إلى الاقتصاد العالمي باعتباره قصة تتغير فصولها باستمرار فالقوة الاقتصادية ليست رقما في تقرير ولا حجم الناتج المحلي فقط بل هي قدرة دولة على التأثير في الآخرين وعلى حماية نفسها وعلى صناعة المستقبل قبل أن يصنعه الآخرون
ربما يكون أهم درس أن العالم لا ينتقل ببساطة من نظام قديم إلى نظام جديد بل يعيد ترتيب قواعد اللعبة نفسها وما يبدو اليوم صراعا على التجارة قد يكون في الحقيقة صراعا على شكل القرن الحادي والعشرين ومن يمتلك التكنولوجيا ومن يملك القدرة على الإنتاج ومن يستطيع أن يعيش في عالم متعدد المراكز دون أن يفقد موقعه داخله
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
بطاقة الكتاب
Title
The Great Global Transformation The US China and the Remaking of the World Economic Order
Author
Branko Milanovic
Publisher
University of Chicago Press
Country of Publication
United States
Edition
First Edition
Year of Publication
2026
Number of Pages
280
Deposit Number
غير متاح
ISBN
9780226846415







