قراءة فى كتاب الإنسان ذلك المجهول – ألكسيس كاريل

تمهبد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يحاول ألكسيس كاريل فى كتابه “الإنسان ذلك المجهول ” أن يلفت انتباه القارئ إلى مفارقة أساسية في الحضارة الحديثة فالإنسان استطاع أن يحقق تقدما هائلا في فهم العالم من حوله واكتشف الكثير عن الطبيعة والكون والجسم لكنه في الوقت نفسه ما زال يجهل الكثير عن نفسه ، ومن هنا يبدأ الكتاب رحلته في محاولة النظر إلى الإنسان باعتباره كائنا متكاملا لا يمكن فهمه من خلال عضو واحد أو وظيفة جسدية واحدة ، فالإنسان عند كاريل ليس مجرد جسم يمكن للطبيب أن يفحصه ويقيسه ولا مجرد عقل يمكن للفيلسوف أن يتأمله ، وإنما هو مجموعة متشابكة من الجسد والعقل والمشاعر والغرائز والبيئة والتجارب.

يرى كاريل أن أحد أكبر أخطاء العصر الحديث هو تجزئة الإنسان إلى أجزاء منفصلة ، فالعلم يتخصص بصورة متزايدة وكل متخصص يعرف جزءا صغيرا من الإنسان ، لكن الصورة الكاملة تضيع بين هذه الأجزاء الطبيب يدرس المرض وعالم التشريح يدرس الجسم وعالم النفس يدرس السلوك ورجل الاجتماع يدرس المجتمع ، ولكن الإنسان الحقيقي يجمع كل هذه الجوانب في وقت واحد ، ولذلك فإن الرسالة الأساسية التي يوجهها الكاتب إلى القارئ تتمثل في ضرورة إعادة اكتشاف الإنسان ككل ، وعدم الاعتقاد بأن المعرفة العلمية الحالية قد قدمت إجابات نهائية عن طبيعته.

وينطلق الكتاب من فكرة أن الإنسان أكثر تعقيدا مما تسمح به النظرة المادية البسيطة ، فالجسم ليس آلة ميكانيكية تعمل بصورة منفصلة عن العقل والمشاعر، والحالة النفسية يمكن أن تؤثر في الجسد كما أن الظروف الجسدية قد تؤثر في التفكير والسلوك ، ولهذا يتناول كاريل موضوعات مختلفة مثل وظائف الجسم والجهاز العصبي والذكاء والمشاعر والشخصية والعادات والصحة والمرض ، بل ويتطرق إلى المجتمع والحضارة والتعليم والعمل ، وقد يبدو للقارئ في بعض المواضع أنه ينتقل بين موضوعات بعيدة، لكن الرابط بينها هو محاولته الإجابة عن سؤال واحد : كيف يمكن أن نفهم الإنسان بصورة أكثر شمولا؟

ومن الأفكار التي يكررها الكتاب أن التطور العلمي لم يكن مصحوبا بالضرورة بتطور مماثل في قدرة الإنسان على إدارة حياته ، فقد أصبح الإنسان الحديث أكثر قدرة على السيطرة على الطبيعة واستغلال مواردها ، لكنه لم يتعلم بالقدر نفسه كيف يسيطر على رغباته وانفعالاته أو كيف يحافظ على توازنه الداخلي ،ولذلك يرى كاريل أن الحضارة قد تحمل في داخلها مفارقة ، فهي تمنح الإنسان وسائل هائلة للراحة والقوة لكنها قد تضعه أيضا تحت ضغوط جديدة إذا لم يعرف كيف يستخدم هذه الوسائل بطريقة مناسبة لطبيعته.

ويولي المؤلف اهتماما واضحا للعلاقة بين العقل والجسد ، فهو يرفض النظر إلى الصحة باعتبارها مجرد غياب لمرض محدد ، لأن الإنسان يمكن أن يكون خاليا من مرض واضح ومع ذلك يعاني من اضطراب في حياته الجسدية أو النفسية ، كما يرى أن المشاعر والأفكار والقلق والخوف يمكن أن يكون لها انعكاسات على الجسد ،وأن فهم الإنسان يتطلب النظر إلى هذه العلاقة بدل الفصل الحاد بين الجانب النفسي والجانب الجسدي.

ومن هنا تظهر إحدى الأفكار المهمة في الكتاب ، وهي أن الإنسان يحتاج إلى معرفة نفسه قبل أن يستطيع إصلاح المجتمع الذي يعيش فيه ، فالمجتمع في النهاية يتكون من أفراد ، وإذا كان هؤلاء الأفراد يعانون من الارتباك أو ضعف الإرادة أو عدم القدرة على التحكم في رغباتهم ، فمن الصعب أن تنتج عنهم حضارة متوازنة مهما بلغت قوتها المادية ، ولهذا ينتقد كاريل بعض مظاهر الحضارة الحديثة التي تركز على الإنتاج والسرعة والرفاهية المادية، بينما تهمل التربية العقلية والأخلاقية والنفسية للإنسان.

والكتاب في هذا الجانب لا يخاطب العلماء وحدهم، وإنما يستهدف القارئ العادي أيضا لأنه يطرح أسئلة تمس حياة كل إنسان: كيف يعمل جسدي؟ كيف تتكون شخصيتي؟ ما دور الوراثة والبيئة؟ لماذا نمرض؟ كيف تؤثر المشاعر في أجسامنا؟ وما الذي يجعل الإنسان قادرا على أن يعيش حياة أكثر توازنا؟ ولذلك يمكن اعتبار الكتاب محاولة لتوسيع نظرة القارئ إلى نفسه، ودفعه إلى عدم اختزال الإنسان في المال أو الوظيفة أو الذكاء أو الصحة الجسدية وحدها.

ومن نقاط القوة الواضحة في الكتاب أن كاريل لا يكتفي بتناول الإنسان من زاوية واحدة، وإنما يحاول الجمع بين الطب وعلم النفس والفلسفة والاجتماع في تصور واحد ، وهذه النظرة الشاملة جعلت الكتاب مختلفا عن الكتب المتخصصة التي تتناول جانبا واحدا فقط من الإنسان ، كما أن أسلوبه في طرح الأسئلة الكبرى يمنح الكتاب طابعا تأمليا، ويجعل القارئ يفكر في طبيعة الإنسان ومصير الحضارة بدل الاكتفاء بالمعلومات العلمية.

لكن هذه القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف ، فالكتاب كتب في ثلاثينيات القرن العشرين ، ولذلك فإن بعض الآراء العلمية والاجتماعية التي يقدمها لم تعد متوافقة مع المعرفة الحديثة ، كما أن بعض استنتاجاته تبدو أحيانا أوسع من الأدلة التي يستند إليها خصوصا عندما ينتقل من الملاحظات الطبية إلى أحكام عامة عن المجتمع والإنسان ، ولهذا لا يمكن التعامل مع الكتاب اليوم باعتباره مرجعا علميا حديثا في الطب أو علم النفس ، وإنما ينبغي قراءته باعتباره عملا فكريا يعكس مرحلة معينة من تاريخ التفكير في الإنسان.

وهناك أيضا بعض المفاهيم التي تحتاج إلى نقاش نقدي ، خصوصا حديث كاريل عن الاختلافات بين البشر ودور الوراثة في تحديد القدرات والصفات ، بعض أفكاره في هذا المجال تأثرت بأفكار علمية كانت منتشرة في زمنه ، لكنها أصبحت لاحقًا محل نقد واسع، وبعضها ارتبط تاريخيا بأفكار تحسين النسل، وهي أفكار لا يمكن قبولها اليوم باعتبارها أساسا علميا أو أخلاقيا للحكم على قيمة البشر ، لذلك من الضروري عند قراءة الكتاب الفصل بين الأسئلة المهمة التي يطرحها وبين بعض الإجابات التي قدمها في سياق علمي وفكري لم يعد قائما بالصورة نفسها.

كما أن تصور كاريل عن الحضارة يحتاج إلى قراءة متوازنة ، فانتقاده للجانب المادي من الحياة الحديثة يظل جديرا بالتأمل ، خصوصا عندما يتحدث عن ضغط العمل والسرعة وإهمال الجانب النفسي لكن الحضارة الحديثة نفسها ساهمت أيضا في تحسين حياة الإنسان من خلال الطب والتعليم وتحسين ظروف المعيشة ، لذلك لا ينبغي فهم الكتاب على أنه دعوة إلى رفض التقدم العلمي، وإنما يمكن الاستفادة منه بوصفه تحذيرا من أن يصبح التقدم المادي غاية مستقلة عن احتياجات الإنسان الحقيقية.

وفي النهاية تكمن أهمية “الإنسان ذلك المجهول ” في السؤال الذي يظل حاضرا طوال الكتاب : هل نعرف الإنسان فعلا بالقدر الذي نعتقد أننا نعرفه؟ يرى كاريل أن الإجابة ليست بهذه البساطة وأن التقدم العلمي في معرفة الجسم والطبيعة لا يعني أننا فهمنا الإنسان في مجمله ، ومن خلال هذه الفكرة يحاول أن يعيد القارئ إلى الإنسان نفسه إلى جسده وعقله ومشاعره وشخصيته وعلاقته بالمجتمع.

وقد تبدو بعض أفكار الكتاب قديمة إذا قورنت بما وصل إليه العلم الحديث ، وهذا أمر طبيعي بالنسبة إلى كتاب صدر في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن قيمته لا تتوقف على صحة كل معلومة وردت فيه ، فالقيمة الأهم تكمن في محاولته تجاوز النظرة الضيقة للإنسان ، وفي دعوته إلى الجمع بين المعرفة العلمية والتأمل في النفس والمجتمع ، ولذلك يمكن قراءة الكتاب اليوم بوصفه وثيقة فكرية مهمة عن الطريقة التي كان بعض مفكري القرن العشرين ينظرون بها إلى الإنسان ، وفي الوقت نفسه بوصفه فرصة للتفكير في سؤال ما زال مفتوحا حتى الآن: كلما ازداد ما نعرفه عن الإنسان، هل أصبحنا بالفعل أقرب إلى فهمه أم أن الإنسان يظل رغم كل هذا التقدم “ذلك المجهول”؟

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: الإنسان ذلك المجهول – Man, the Unknown

المؤلف: ألكسيس كاريل (Alexis Carrel)

دار النشر: Harper & Brothers

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1935

عدد الصفحات: حوالي 280 صفحة

رقم الإيداع: غير متاح للطبعة الأصلية

ISBN: غير متاح للطبعة الأصلية

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *