تقرير: كارن عاطف
ماذا لو كانت أفضل طريقة لتحسين خدمة العملاء هي أن تجعل العميل لا يحتاج إلى الاتصال بخدمة العملاء من الأساس؟
قد تبدو الفكرة غريبة في البداية فالشركات تنفق الكثير على مراكز الاتصال، وتدريب الموظفين، وتطوير أنظمة الدعم، وقياس رضا العملاء.
لكن بيل برايس وديفيد جافي يقلبان المعادلة في كتابهما The Best Service Is No Service، ويطرحان سؤالًا أكثر جذرية: بدلًا من تحسين طريقة التعامل مع المشكلات، لماذا لا نمنع المشكلات التي تدفع العميل إلى طلب الخدمة من الأصل؟
ينطلق الكتاب من ملاحظة بسيطة لكنها مؤثرة: اتصال العميل بالشركة ليس دائمًا علامة على نجاح خدمة العملاء، بل قد يكون دليلًا على وجود مشكلة في المنتج أو النظام أو طريقة تقديم الخدمة.
فإذا كان العميل يتصل لأن فاتورته غير مفهومة أو لأن طلبه لم يصل في موعده، أو لأنه لا يستطيع استخدام منتج بصورة صحيحة، فإن تحسين أداء موظف خدمة العملاء لن يحل أصل المشكلة.
ومن هنا تأتي الفكرة المحورية للكتاب: الشركات الناجحة لا ينبغي أن تكتفي بالتعامل مع شكاوى العملاء، بل عليها أن تبحث باستمرار عن الأسباب التي صنعت هذه الشكاوى، ثم تعمل على إزالتها من جذورها.
ويضع المؤلفان مجموعة من المبادئ التي تساعد الشركات على الانتقال من ثقافة “كيف نتعامل مع العميل عندما يواجه مشكلة؟” إلى ثقافة “كيف نمنع المشكلة من الحدوث؟”.
وهذا التحول لا يتعلق بخدمة العملاء وحدها، وإنما يمتد إلى تصميم المنتجات، والسياسات، وسلاسل التوريد، والمعلومات التي يحصل عليها العميل، وكل نقطة يمر بها خلال تجربته مع الشركة.
ويؤكد الكتاب أهمية الاستماع إلى شكاوى العملاء باعتبارها مصدرًا للمعلومات.
فالشكوى لا ينبغي أن تختفي بمجرد إغلاق المكالمة أو حل المشكلة الفردية، بل يجب تحليلها لمعرفة ما إذا كانت تتكرر، ولماذا تحدث، وما الذي يمكن تغييره لمنعها مستقبلًا. فكل شكوى متكررة قد تكون بمثابة إنذار يكشف خللًا داخل النظام.
ويشير المؤلفان كذلك إلى ضرورة قياس الجهد الذي تبذله الشركة لمنع المشكلات، وليس فقط عدد المكالمات التي يستطيع مركز الخدمة التعامل معها. فخفض عدد الاتصالات المتكررة، وتقليل الشكاوى، ورفع نسبة حل المشكلة من المرة الأولى، كلها مؤشرات تساعد الإدارة على معرفة ما إذا كانت تجربة العميل تتحسن فعلًا.
ومن الأفكار اللافتة في الكتاب أن الشركات قد تقع في فخ مكافأة السلوك الخطأ.
فقد يصبح مركز خدمة العملاء أكثر كفاءة في استقبال آلاف الاتصالات، بينما تظل الأسباب التي صنعت هذه الاتصالات كما هي. وبذلك تنجح الشركة في إدارة المشكلة بدلًا من حلها.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى أهمية تمكين الموظفين، فإذا كان الموظف مضطرًا في كل موقف للرجوع إلى سلسلة طويلة من الإجراءات والموافقات، فإن العميل سيدفع ثمن التعقيد. لذلك فإن تصميم أنظمة أكثر مرونة ومنح الموظف الأدوات والصلاحيات المناسبة يمكن أن يجعل حل المشكلات أسرع وأقل تكلفة.
ولا يعني شعار الكتاب أن خدمة العملاء غير مهمة، بل العكس فالفكرة هي أن خدمة العملاء يجب أن تتحول من مجرد قسم يتعامل مع النتائج إلى مصدر يساعد الشركة على اكتشاف أسباب المشكلات وإزالتها.
ويمكن تلخيص أبرز ما يقدمه الكتاب في النقاط التالية:
- أفضل خدمة هي التي تمنع المشكلة قبل أن يحتاج العميل إلى طلب المساعدة.
- كثرة اتصالات العملاء قد تكشف عيوبًا في المنتج أو النظام.
- يجب تحليل الشكاوى بدلًا من الاكتفاء بإغلاقها.
- حل المشكلة من جذورها أكثر قيمة من التعامل معها مرة بعد أخرى.
- تجربة العميل مسؤولية الشركة كلها، وليست مسؤولية قسم خدمة العملاء فقط.
- تقليل الجهد الذي يبذله العميل يقلل أيضًا التكلفة على الشركة.
- يجب استخدام بيانات الشكاوى لاكتشاف الأنماط المتكررة.
- تمكين موظفي الخدمة يساعد على حل المشكلات بسرعة أكبر.
- قياس عدد المكالمات وحده لا يكشف جودة تجربة العميل.
- الشركة الأفضل هي التي تجعل العميل يحصل على الخدمة التي يريدها دون الحاجة إلى طلب المساعدة.
ويناسب الكتاب مديري الشركات، والعاملين في خدمة العملاء وتجربة العميل، وفرق العمليات والجودة، وأصحاب المشاريع، وكل من يريد فهم العلاقة بين جودة العمليات ورضا العملاء.
ومن نقاط قوة الكتاب أنه يقدم فكرة مختلفة عن النظرة التقليدية لخدمة العملاء، ويجعل القارئ ينظر إلى الشكوى باعتبارها عرضًا لمشكلة أكبر وليست مجرد موقف منفصل يجب التعامل معه.
كما أن أفكاره تربط بين تجربة العميل وكفاءة العمليات وتقليل التكلفة، وهو ما يجعلها مفيدة للإدارة وليس لقسم خدمة العملاء وحده.
أما الملاحظة التي يمكن طرحها فهي أن فلسفة “عدم الحاجة إلى الخدمة” لا يمكن تطبيقها بصورة حرفية على جميع القطاعات؛ فبعض المنتجات والخدمات بطبيعتها تحتاج إلى دعم مستمر، كما أن وجود خدمة عملاء قوية يظل ضروريًا عندما تحدث المشكلات التي لا يمكن منعها بالكامل.
وبعد قراءة الكتاب يتغير السؤال التقليدي من “هل تعاملنا مع العميل بشكل جيد؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “لماذا اضطر العميل إلى الاتصال بنا أصلًا؟”
فإذا كان العميل يتصل لأن النظام أجبره على ذلك فالمشكلة ليست في الموظف الذي رد على الهاتف.
وإذا كان يكرر الاتصال نفسه للحصول على نتيجة بسيطة، فربما لا يحتاج مركز الاتصال إلى موظفين أكثر، وإنما تحتاج الشركة إلى نظام أفضل.
وهنا تبرز الفكرة الأساسية للكتاب: خدمة العملاء الممتازة ليست فقط أن تكون مستعدًا لمساعدة العميل عندما يقع في مشكلة، وإنما أن تصمم عملك بطريقة تقلل احتمالية وقوعه فيها من البداية.
وعندما تنجح الشركة في ذلك يصبح انخفاض الاتصالات والشكاوى ليس علامة على ضعف الخدمة، بل دليلًا على أنها أصبحت أفضل.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
- العنوان: The Best Service Is No Service
- العنوان الكامل: The Best Service Is No Service: How to Liberate Your Customers from Customer Service, Keep Them Happy, and Control Costs
- المؤلف: بيل برايس (Bill Price) وديفيد جافي (David Jaffe)
- اللغة الأصلية: الإنجليزية
- دار النشر: Jossey-Bass
- بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
- سنة النشر: 2008
- عدد الصفحات: حوالي 272 صفحة
- ISBN-13: 9780470198678
- التصنيف: خدمة العملاء – تجربة العميل – إدارة الأعمال – العمليات – رضا العملاء







