قراءة واستعراض: لمياء نبيل
كل أب وأم يعبران رحلة التربية يدركان تماماً تلك اللحظات المشتعلة، حين يقف الطفل رافضاً الاستماع، فيتسلل الغضب رويداً رويداً ليتملك الكبير، وترتفع النبرة وتندلع موجة من الصراخ في كتابه المتميز “تربية بلا صراخ” يأخذنا المؤلف هال إدوارد رانكل في رحلة شجاعة ومصارحة حقيقية مع النفس، ليقلب الموازين المعتادة، فالرجل يرى أن إشكالية التربية الحقيقية لا تكمن في سلوكيات أطفالنا المشاكسة، بل في طريقتنا نحن الكبار في إدارة ردود أفعالنا تجاههم.
يبدأ رانكل بتفكيك تلك الدائرة المفرغة التي يقع فيها الكثيرون؛ فالصراخ لا يأتي أبداً من رغبة حقيقية في إيذاء الأبناء، بل هو التعبير الأوضح عن شعورنا بالعجز وفقدان السيطرة وحين يرد الأب بالغضب والصراخ، لا يتعلم الطفل الامتثال، بل يزداد عناداً وتمسكاً بموقفه، لتدخل الأسرة بأكملها في دوامة من التوتر المستمر، الحل الذي يقترحه الكاتب يبدأ من نقطة واحدة فقط: أن نكف عن محاولة السيطرة على الطفل، ونبدأ أولاً بالسيطرة على أنفسنا.
غالبًا ما نخلط بين تربية طفل سوي ومستقل وبين إجبار الصغير على الطاعة العمياء والفورية في كل ظرف، يوضح رانكل أن الغاية الأساسية للتربية ليست تحويل الطفل إلى جندي مطيع ينفذ الأوامر دون تفكير، بل مساعدته تدريجياً ليصبح قادراً على ضبط نفسه، واتخاذ قراراته، وتحمل عواقبها وهنا يبرز دور المربي الحقيقي: وضع حدود ثابتة وواضحة، ثم ترك مساحة أمان كافية للطفل ليتعلم من تجاربه واختياراته الخاصة.
من أجمل ما يطرحه الكتاب هو الدعوة لاحتواء مشاعر الطفل مهما كانت صاخبة فمن حق الطفل أن يغضب، أو يشعر بالإحباط، أو يبكي بحرقة، فهذه انفعالات إنسانية طبيعية، لكن المشكلة تظهر حين تتحول هذه المشاعر إلى تصرفات مؤذية أو متجاوزة ويعلمنا الكاتب كيف نتقبل غضب الطفل بصدر رحب دون أن نسمح له بتعدي الحدود؛ فبدل العبارات الجافة التي تقمع مشاعره مثل “توقف عن البكاء”، يمكننا أن نقول بهدوء: “أنا أعلم أنك غاضب وحقك أن تشعر بذلك، لكن ضرب الآخرين أمر مرفوض تماماً” وهنا يشعر الطفل بالأمان العاطفي وفي نفس الوقت يدرك معايير الصواب والخطأ.
كثيراً ما يخلط البعض بين الهدوء في التعامل وبين التساهل أو التراخي، لكن رانكل يراه بشكل مختلف تماماً؛ فالهدوء هو أقصى درجات القوة والاتزان، الأب أو الأم القادر على أخذ نفس عميق والتوقف لحظة قصيرة قبل الرد على استفزازات الطفل، هو الشخص الأكثر تحكماً في دفة القيادة، هذا الثبات الداخلي يمنح الطفل شعوراً ضمنياً بالاحتواء، ويشعره أن من يقف أمامه جبل شامخ لا تهزه انفعالات طفولية عابرة.
في زحمة الحياة، يحمل الآباء أنفسهم أعباء ثقيلة محاولين الوصول إلى صورة “الوالد المثالي” الذي لا يخطئ أبداً وهنا يتدخل الكاتب ليرفع هذا الثقل عن كواهلنا، مؤكداً أن ارتكاب الأخطاء وفقدان الأعصاب أحياناً هو جزء أصيل من بشريتنا، الأهم ليس ألا نقترف الأخطاء، بل أن نتحلى بالشجاعة لنعتذر لأبنائنا حين نخطئ، هذا الاعتذار الصادق لا يقلل من هيبتنا شيئاً، بل يغرس في نفوسهم أسمى معاني المسؤولية والاعتراف بالخطأ بأسلوب عملي حي.
وفي النهاية، يخبرنا هال إدوارد رانكل أن التربية السليمة لا تحتاج إلى أصوات عالية، ولا إلى تهديدات مرعبة، بل تحتاج إلى بيئة منزلية تخلو من الخوف والانفعال الزائد وحين ندرك نحن الكبار أننا المصدر الأساسي لسلامنا الداخلي، وأن تغيير الأبناء يبدأ بتغيير ذواتنا أولاً، نكتشف أننا نبني معهم جسوراً متينة من الثقة والاحترام والحب المتبادل تدوم مدى الحياة.
المؤلف: هال إدوارد رانكل (Hal Edward Runkel)
المجال: التربية وعلم النفس الأسري والعلاقات بين الآباء والأبناء.
الناشر الأصلي: Harmony / Crown Publishing Group.
اللغة الأصلية: الإنجليزية.
النشر الأول: 2005، ثم صدرت طبعات وإصدارات منقحة لاحقًا.
عدد الصفحات: يختلف باختلاف الطبعة؛ فالطبعة الأمريكية الأولى المتداولة عام 2007 تبلغ 240 صفحة، بينما توجد طبعات أخرى بعدد صفحات مختلف.
ISBN-13 للطبعة الأمريكية: 9780767927420.
ISBN-13 للنسخة الإلكترونية من إحدى الطبعات: 9780767928380.







