قراءة فى كتاب تأملات لماركوس أوريليوس

 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

______________

يعد كتاب تأملات لماركوس أوريليوس ليس كتابا بالمعنى التقليدي ،فهو في الأساس مجموعة من الأفكار والخواطر التي كتبها لنفسه ولم يكن يكتبها بهدف أن يقرأها الآخرون ، ولهذا تبدو صفحاته أحيانًا وكأنها حديث داخلي بين الإنسان ونفسه ويحاول فيه أن يذكرها بما يجب أن تفعله عندما تغضب أو تخاف أو تتعرض للظلم أو تشعر بالضعف ، وربما لهذا السبب ظل الكتاب حاضرا حتى اليوم ، لأنه لا يتحدث عن مشكلة محددة في زمن محدد، وإنما عن الإنسان ومشكلاته التي تتكرر مهما اختلف العصر.

الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب هي أن الإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث له ولكنه يستطيع أن يتحكم في الطريقة التي يستجيب بها لما يحدث فهذه الفكرة تبدو بسيطة لكنها بالنسبة لماركوس أوريليوس كانت أساس الحياة كلها، فنحن لا نختار المرض أو الخسارة أو كلام الناس أو تصرفاتهم، ولا نستطيع أن نمنع بعض الأحداث المؤلمة من الوصول إلينا ولكننا نستطيع أن نقرر هل سنسمح لها بأن تسيطر على عقولنا أم لا ، ولذلك كان يحاول دائمًا أن يعيد نفسه إلى الشيء الوحيد الموجود فعلًا تحت سيطرته هى أفكاره وتصرفاته.

كان ماركوس أوريليوس يرى أن الإنسان كثيرًا ما يعاني ليس بسبب الحدث نفسه، وإنما بسبب الطريقة التي يفسره بها ،فقد يحدث شيء مزعج، ثم يبدأ العقل في تضخيمه وإعادة التفكير فيه وتحويله إلى كارثة ، كلمة قالها شخص يمكن أن تفسد يومًا كاملًا، وموقف صغير يمكن أن يجعل الإنسان غاضبًا لساعات، وشيء حدث في الماضي يمكن أن يظل يعيش داخلنا سنوات ، لذلك كان يحاول أن يدرب نفسه على رؤية الأمور كما هي، دون أن يضيف إليها خوفه أو غضبه أو توقعاته.

ومن أكثر الأشياء التي يكررها الكتاب فكرة ضرورة السيطرة على الغضب ، ماركوس أوريليوس لم يكن يقول إن الإنسان يجب ألا يشعر بالغضب، وإنما كان يرى أن الاستسلام له يجعل الإنسان يفقد قدرته على الحكم السليم ، فعندما يسيء إلينا شخص يكون من السهل أن نرد عليه بالمثل لكن الرد الغاضب غالبا يجعل المشكلة أكبر ، ولذلك كان يدعو إلى التريث ومحاولة فهم طبيعة الشخص الذي أساء إلينا ، فالإنسان الذي يتصرف بشكل سيئ قد يكون جاهلا أو ضعيفا أو خائفا أو غير قادر على التحكم في نفسه ، وهذا لا يعني أن الخطأ يصبح صحيحا، وإنما يعني أننا لسنا مضطرين إلى السماح لخطأ الآخرين بأن يفسد أخلاقنا نحن ،

ومن هنا تظهر فكرة مهمة جدًا في الكتاب وهي أن أفضل انتقام من الشخص السيئ هو ألا تصبح مثله ، لأنك إذا قابلت القسوة بالقسوة والغضب بالغضب فأنت تسمح للشخص الآخر بأن يغيرك ، أما إذا حافظت على هدوئك وأخلاقك فأنت تحتفظ بالسيطرة على نفسك ، وهذه الفكرة تبدو شديدة الإنسانية لأننا جميعًا نمر بمواقف نشعر فيها برغبة في الرد وإثبات حقنا ولكن ماركوس يذكر نفسه بأن الحفاظ على سلام النفس أهم من الانتصار في كل معركة.

ويتحدث الكتاب أيضا كثيرا عن الموت، وقد يبدو هذا الموضوع ثقيلا ولكنه عند ماركوس أوريليوس لم يكن دعوة إلى التشاؤم بل كان وسيلة لتذكير الإنسان بقيمة الوقت ، كل إنسان سيموت في النهاية سواء كان غنيا أو فقيرا، مشهورا أو مجهولا، قويا أو ضعيفا. ولذلك لا ينبغي أن نعيش وكأن أمامنا وقتًا لا ينتهي فمعرفة أن الحياة قصيرة يجب أن تجعلنا أكثر اهتمامًا بما نفعله الآن، وأكثر حرصا على ألا نضيع أعمارنا في الحقد والغيرة والقلق بشأن أشياء لا تستحق.

كما كان يرى أن التفكير في الموت يساعد الإنسان على التخلص من وهم الأهمية المطلقة كثير من الأشياء التي تبدو ضخمة بالنسبة لنا الآن ستصبح بلا قيمة بعد سنوات ، الخلاف الذي يشغلنا اليوم قد ننساه بعد فترة، والناس الذين نحاول بشدة أن نثبت لهم شيئا قد لا يتذكرون الأمر أصلا، لذلك يدعو الكتاب إلى أن يعيش الإنسان حياته دون أن يجعل رأي الآخرين مقياسا دائمًا لقيمته.

ومن الأفكار الجميلة في تأملات أن الإنسان يجب أن يقوم بدوره في الحياة مهما كان هذا الدور بسيطا ، ماركوس أوريليوس كان إمبراطورا ، ومع ذلك كان يرى نفسه جزءا من مجتمع أكبر، وأن قيمة الإنسان لا تأتي من المنصب أو المال أو الشهرة وإنما من الطريقة التي يؤدي بها واجباته ، وإذا كنت أبا فأدى دورك بإخلاص، وإذا كنت تعمل فقم بعملك جيدا، وإذا كنت تتعامل مع الناس فكن عادلا ومحترما ،الفكرة ليست أن تكون شخصا عظيما في نظر الآخرين، وإنما أن تكون جيدا في المكان الذي وجدت نفسك فيه.

ويؤكد الكتاب أيضًا أهمية ألا نعيش أسرى للماضي أو المستقبل، الماضي انتهى ولا يمكن تغييره، والمستقبل لم يحدث بعد، وما نملكه حقا هو اللحظة الحالية ،وهذا لا يعني تجاهل المستقبل أو عدم التخطيط له، وإنما يعني ألا نسمح للقلق بشأنه بأن يسرق منا حياتنا الحالية ،كثير من الناس يعيشون في انتظار شيء ما عندما تتحسن الظروف سأكون سعيدًا وعندما أصل إلى هدف معين سأرتاح وعندما يتغير شخص ما سأشعر بالسلام ، ولكن الحياة تمضي أثناء هذا الانتظار.

وفي علاقته بالناس كان ماركوس أوريليوس يحاول أن يتذكر أن البشر بطبيعتهم يحتاج بعضهم إلى بعض ، الإنسان لا يستطيع أن يعيش منعزلا تماما، ولذلك فإن التعاون والرحمة والصبر ليست مجرد فضائل جميلة، وإنما أشياء ضرورية للحياة ،وفي الوقت نفسه كان يدرك أن الناس سيخطئون وسيخذلوننا ولذلك لا ينبغي أن تكون توقعاتنا منهم مثالية ، عندما نتقبل أن البشر ناقصون يصبح التعامل معهم أكثر سهولة.

ومن أهم ما يمكن أن يخرج به القارئ من الكتاب أن السلام الداخلي لا يأتي من أن تصبح حياتك خالية من المشاكل لأن هذا الأمر غير ممكن ، السلام يأتي من أن تتعلم كيف تواجه المشاكل دون أن تفقد نفسك ، قد تتغير الظروف وقد تخسر أشخاصًا وقد تفشل في أشياء كنت تتمنى نجاحها وقد يتحدث عنك الآخرون بشكل سيئ لكنك تستطيع دائمًا أن تسأل نفسك: ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟ وما التصرف الذي يجعلني راضيا عن نفسي؟

تأملات في النهاية ليس كتابا يعد القارئ بحياة مثالية ولا يقول إن الإنسان يستطيع التخلص من الألم أو الحزن. بالعكس، هو يعترف بأن الحياة مليئة بالأشياء التي لا نستطيع التحكم فيها ، لكنه يحاول أن يعلم الإنسان شيئا أكثر واقعية: لا يمكنك اختيار كل ما يحدث لك، لكن يمكنك اختيار الإنسان الذي ستكونه بعد أن يحدث ، وهذا ربما هو السبب الحقيقي في بقاء الكتاب مؤثرا حتى الآن ، فهو لا يطلب منك أن تهرب من الحياة، وإنما أن تعيشها بوعي أكبر وأن تقلل من الأشياء التي تستنزفك وأن تحافظ على أخلاقك وسط الفوضى وأن تتذكر أن الوقت محدود وأن أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تعيش اليوم بطريقة لا تخجل منها عندما تنظر إلى حياتك في النهاية.

______________

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: تأملات

المؤلف: ماركوس أوريليوس

دار النشر: Modern Library، إحدى دور مجموعة Random House

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الترجمة: جريجوري هايز

الطبعة: الطبعة الأمريكية بترجمة جديدة عن النص الأصلي

سنة النشر: 2002

عدد الصفحات: 272 صفحة في النسخة الورقية الصادرة عام 2003

ISBN: 9780812968255

______________

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *