علم النفس الاجتماعي كعلم
Social Psychology as a Science
Boris Parygin — بوريس باريجين
قراءة في كتاب:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلفه، ويخوضها قارئه بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارا للنص الأصلي أو محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة تحليلية مستقلة لمحتوى الكتاب، تسعى إلى إعادة صياغة الأفكار وتحليلها وربطها بسياقها المعاصر، مع الحفاظ على جوهر العمل وأفكاره الأساسية.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
كتب عالم النفس والفيلسوف الروسي بوريس دميترييفيتش باريجين هذا العمل في لحظة مهمة من تاريخ علم النفس الاجتماعي، حين كان السؤال المطروح هو: هل علم النفس الاجتماعي علم مستقل له موضوعه ومنهجه ومفاهيمه، أم أنه مجرد منطقة مشتركة بين علم النفس وعلم الاجتماع؟
صدر الكتاب في لينينغراد عام 1965، وأصبح من الأعمال المبكرة المهمة في تأسيس علم النفس الاجتماعي السوفيتي، ثم أعيد نشره وترجمته إلى لغات متعددة. وتذكر المصادر أن باريجين قدم من خلاله تصورا متكاملًا لموضوع علم النفس الاجتماعي ومنهجيته وبنيته وموقعه بين العلوم الإنسانية والطبيعية.
ومن أهم الأفكار التى ناقشها الكاتب فى كتابه،
تحديد موضوع علم النفس الاجتماعي بصورة دقيقة.
فالإنسان يعيش كفرد، لكنه في الوقت نفسه عضو في جماعة ومجتمع، ويتأثر بالآخرين ويؤثر فيهم.
ومن هنا لا يمكن فهم سلوكه بالكامل من خلال دراسة العمليات النفسية الفردية فقط، كما لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة مباشرة للبنية الاجتماعية وحدها.
المجال الحقيقي لعلم النفس الاجتماعي يوجد في منطقة التفاعل بين الفرد والمجتمع.
ويهتم الكتاب بالظواهر النفسية التي تظهر عندما يعيش الإنسان داخل جماعة: الاتجاهات، والمشاعر الاجتماعية، والتفاعل، والتواصل، والعلاقات بين الأفراد، والمواقف الجماعية، والرأي العام، وغيرها من الظواهر التي لا يمكن تفسيرها بصورة كاملة إذا عزلنا الإنسان عن محيطه.
ويؤكد باريجين أن علم النفس الاجتماعي يحتاج إلى الجمع بين مستويين من التحليل.
المستوى الأول يهتم بالفرد: كيف يفكر؟ كيف يشعر؟ كيف تتكون اتجاهاته؟
والمستوى الثاني يهتم بالجماعة والمجتمع: كيف تؤثر العلاقات الاجتماعية والثقافة والمؤسسات في الفرد؟
ومن هنا يصبح التفاعل الاجتماعي مفهوما محوريا.
فالإنسان لا يتشكل في عزلة.
منذ الطفولة يتعلم من الآخرين، ويكتسب اللغة والقيم والقواعد الاجتماعية، ويكون صورته عن نفسه من خلال علاقاته بمن حوله.
وهذا يعني أن الشخصية الإنسانية تحمل بعدا اجتماعيا لا يمكن تجاهله.
فالتواصل ليس مجرد نقل معلومات من شخص إلى آخر، بل عملية نفسية واجتماعية تتضمن المشاعر والتوقعات والتفسير وردود الفعل.
قد يقول شخص جملة معينة، لكن معناها عند المتلقي قد يختلف بسبب خبرته أو موقفه أو علاقته بالمتحدث.
وهنا تظهر أهمية علم النفس الاجتماعي في فهم سوء الفهم والصراع والإقناع والتأثير.
كما يهتم الكتاب بموضوع الجماعات.
فالإنسان عندما يدخل جماعة قد تتغير بعض سلوكياته ومواقفه؛ لأن وجود الآخرين يخلق قواعد وتوقعات وأدوارا اجتماعية.
الجماعة قد تمنح الفرد شعورًا بالانتماء والأمان، لكنها قد تمارس في الوقت نفسه ضغطًا عليه لكي يتوافق مع معاييرها.
ومن هنا تظهر ظواهر مثل الامتثال والتأثير الاجتماعي والقيادة والتماسك الجماعي.
ومن الأفكار المهمة أيضا دراسة الوعي الاجتماعي.
فالإنسان لا يعيش الواقع الاجتماعي فقط، بل يكون صورة ذهنية عنه.
قد يكوّن الفرد اتجاهًا نحو جماعة معينة، أو قضية اجتماعية، أو مؤسسة، أو شخصية عامة، وهذه الاتجاهات تؤثر لاحقًا في سلوكه.
وهنا يصبح فهم تكوين الاتجاهات وتغيرها جزءًا مهمًا من علم النفس الاجتماعي.
ويرتبط ذلك بمفهوم الرأي العام والمشاعر الجماعية.
فالجماعة يمكن أن تتشكل لديها حالات نفسية مشتركة تتأثر بالأحداث والظروف ووسائل الاتصال.
وهذه الفكرة تبدو شديدة الأهمية في عصر الإعلام الرقمي، حيث يمكن لمعلومة أو صورة أو موقف أن ينتشر بسرعة هائلة ويؤثر في اتجاهات أعداد كبيرة من الناس.
كما يدافع باريجين عن أهمية أن يكون علم النفس الاجتماعي علمًا قائمًا على منهج، وليس مجرد تأملات في العلاقات الإنسانية.
وهنا تظهر أهمية الملاحظة، والاستبيانات، والمقابلات، والتجارب، وتحليل الظواهر الاجتماعية، مع ضرورة تفسير النتائج في ضوء السياق الاجتماعي.
وهذا يتفق مع التصور العلمي العام لعلم النفس الاجتماعي بوصفه مجالا يدرس تأثير الآخرين في أفكار الإنسان ومشاعره وسلوكه، ويستخدم مجموعة متنوعة من مناهج البحث لفهم هذه الظواهر.
و ساعد في الدفاع عن استقلال علم النفس الاجتماعي بوصفه مجالا معرفيا له أسئلته الخاصة.
وقد ارتبط باريجين تاريخيًا بالنقاشات التي دارت في الاتحاد السوفيتي حول مشروعية علم النفس الاجتماعي، وكان من أبرز المدافعين عن حق هذا العلم في التطور والدراسة المنهجية.
ولا يتوقف اهتمام الكتاب عند الجانب النظري، بل يمتد إلى التطبيقات.
فعلم النفس الاجتماعي يمكن أن يساعد في فهم التعليم، والعمل، والإدارة، والإعلام، والعلاقات الأسرية، والجماعات، والقيادة، والصراعات، والرأي العام.
وفي كل هذه المجالات نحتاج إلى معرفة كيف يتصرف الإنسان عندما يكون جزءًا من شبكة من العلاقات الاجتماعية.
ويلخص هذا الكتاب بعض النقاط وهى .
علم النفس الاجتماعي يدرس الإنسان داخل علاقاته الاجتماعية.
الفرد والمجتمع يؤثر كل منهما في الآخر.
التفاعل الاجتماعي أساس لفهم كثير من السلوكيات الإنسانية.
التواصل عملية نفسية واجتماعية وليست مجرد نقل معلومات.
الجماعات تؤثر في الاتجاهات والسلوك.
الانتماء يمكن أن يمنح الفرد الدعم والهوية.
ضغط الجماعة قد يؤدي أحيانا إلى الامتثال.
الاتجاهات الاجتماعية تتكون وتتغير تحت تأثير الخبرة والتفاعل.
الرأي العام والمشاعر الجماعية موضوعان مهمان للدراسة العلمية.
علم النفس الاجتماعي يحتاج إلى منهج علمي يجمع بين دراسة الفرد والسياق الاجتماعي.
ويناسب طلاب وباحثي علم النفس والاجتماع والإعلام والعلوم السياسية والتربية، كما يناسب كل من يهتم بفهم العلاقات الإنسانية والتأثير الاجتماعي وتكوين الاتجاهات والرأي العام.
وهو مهم بصورة خاصة للعاملين في الإعلام والاتصال، لأن فهم الجمهور لا يتوقف على معرفة خصائص أفراده، وإنما يحتاج إلى فهم الجماعات والسياق الاجتماعي الذي تتشكل داخله المواقف.
ومن أهم نقاط قوة الكتاب أنه يطرح علم النفس الاجتماعي باعتباره مجالا متكاملا، ويحاول تحديد موضوعه ومنهجه وموقعه العلمي. كما أن قيمته التاريخية كبيرة لأنه جاء في مرحلة كان فيها استقلال هذا المجال العلمي موضع نقاش.
وبعض المفاهيم أيضا ترتبط بالسياق الفكري والسياسي والعلمي الذي كتب فيه العمل، ولذلك تحتاج إلى قراءة نقدية عند مقارنتها بمناهج علم النفس الاجتماعي المعاصر، خصوصًا بعد التطورات الكبيرة في علوم الاتصال والسلوك الجماعي والعلوم المعرفية.
والسؤال الذي يظل شديد الصلة بعالمنا اليوم هو:
إلى أي مدى نختار أفكارنا ومواقفنا بأنفسنا، وإلى أي مدى تصنعها الجماعات التي ننتمي إليها؟
فى النهاية:
عندما تطوي الصفحة الأخيرة، ربما تكتشف أن كثيرًا من السلوكيات التي نظن أنها شخصية جدًا تحمل في داخلها أثرًا اجتماعيًا واضحا.
فنحن نحب ونكره، نؤيد ونرفض، نقتنع ونختلف، ونكوّن آراءنا داخل عالم مليء بالآخرين.
وهنا تأتي أهمية علم النفس الاجتماعي؛ لأنه لا يسأل فقط: ماذا يفعل الإنسان؟
بل يسأل أيضا:
ماذا يحدث له عندما يكون بين الآخرين؟
وهذا السؤال وحده يفتح بابا واسعا لفهم الإنسان، والإعلام، والجماعات، والمجتمع، وحتى أنفسنا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: علم النفس الاجتماعي كعلم
العنوان الأصلي: Социальная психология как наука
المؤلف: بوريس دميترييفيتش باريجين — Boris Dmitrievich Parygin
دار النشر: جامعة لينينغراد الحكومية Leningrad State University
مكان النشر: لينينغراد، الاتحاد السوفيتي
سنة النشر الأولى: 1965.
الطبعات والترجمات: صدرت له طبعات وترجمات بلغات متعددة، منها البلغارية والتشيكية والإسبانية والبرتغالية.
عدد الصفحات: تختلف باختلاف الطبعة؛ فالطبعة البلغارية مثلا 240 صفحة، والطبعة البرتغالية 218 صفحة.
رقم الإيداع: يُترك وفق بيانات النسخة المعتمدة بالموقع.
ISBN: لا ينطبق على الطبعة الأصلية لعام 1965.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، ولا تمثل إعادة نشر للنص الأصلي أو بديلا عن قراءته. وتظل حقوق الكتاب ونصه الأصلي محفوظة لأصحاب الحقوق وفقا للقوانين المنظمة.
علم النفس الاجتماعى كعلم
شارك هذا المنشور
سلمى صقر
د. سلمى صقر
أكاديمية وإعلامية وباحثة متخصصة في الإعلام والاتصال المؤسسي، وتشغل منصب أستاذ مساعد بكلية الإعلام – جامعة السويس.
تمتلك خبرة في مجالات الإعلام، والتدريب، وصناعة المحتوى، وتطوير مهارات الاتصال و الإلقاء، إلى جانب اهتمامها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام والاتصال المؤسسي.
تسهم في إعداد وتدريب الكوادر الإعلامية، وتشارك في العديد من المبادرات والأنشطة العلمية والإعلامية الهادفة إلى نشر المعرفة وتعزيز الوعي المجتمعي. كما تهتم بإنتاج المحتوى الثقافي و التوعوي، وتقديم البرامج و البودكاست التي تركز على تنمية الإنسان، وبناء الوعي، وتبسيط المعرفة بأسلوب احترافي يجمع بين العمق وسهولة الطرح.
تؤمن بأن بناء الإنسان علميا ومهاريا وأخلاقيا هو الأساس الحقيقي لتحقيق التنمية المستدامة وصناعة مستقبل أكثر وعيا و إبداعا.
اقرأ كل المنشورات
اخبار متعلقة


الاستثمار في التعليم.. رأس المال الذي يصنع ثروة المستقبل
أكتوبر 28, 2026

خطة تسويق في صفحة واحدة.. دليلك العملي لزيادة المبيعات
أكتوبر 28, 2026


قراءة صحفية وتحليلية في كتاب «الإنسان يبحث عن المعنى»
أكتوبر 28, 2026


الاستثمار في العقارات .. طريق نحو الثروة واستقرار الجيوب!!
أكتوبر 28, 2026

قراءة في كتاب نور البيان لتعليم القراءة وترتيل القرآن
أكتوبر 28, 2026