إدارة الوقت.. كيف تستعيد السيطرة على ساعات يومك

 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

ما يتنبأ به الكاتب

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يناقش كتاب «إدارة الوقت» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بحياة الإنسان ونجاحه، وهي الطريقة التي يتعامل بها مع الوقت المتاح أمامه. فالوقت هو المورد الوحيد الذي يحصل عليه الجميع بالقدر نفسه كل يوم، لكن الاختلاف الحقيقي يظهر في كيفية استخدامه، وما إذا كان الإنسان يحول ساعاته إلى إنجاز أم يسمح لها بأن تضيع وسط التفاصيل والانشغالات.

ومن هنا تأتي أهمية الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يوقف الوقت أو يزيد عدد ساعات اليوم، لكنه يستطيع أن يدير نفسه وأولوياته واختياراته. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست أن اليوم قصير، وإنما أن الإنسان لا يعرف أين يذهب وقته، ولا يحدد بصورة واضحة ما الذي يستحق أن يحصل على اهتمامه.

وقد يقول الإنسان باستمرار «ليس لدي وقت»، بينما تكشف مراجعة يومه أن جزءًا كبيرًا من الساعات المتاحة يذهب إلى أمور لم تكن ضمن خطته أصلًا. مكالمات طويلة، تصفح الهاتف، أحاديث جانبية، تأجيل المهام، أو الانتقال من مهمة إلى أخرى دون إتمام أي منها.

ومن أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب أن إدارة الوقت تبدأ من إدراك قيمة الوقت. فالساعة التي تمر لا يمكن استعادتها، واليوم الذي ينتهي لا يمكن إعادته، ولذلك فإن إهدار الوقت ليس مجرد خسارة دقائق، وإنما خسارة جزء من العمر نفسه.

وقد لا يشعر الإنسان بقيمة الدقائق الصغيرة، لكنه عندما ينظر إلى السنوات الماضية يكتشف أن كثيرًا من النتائج التي وصل إليها كانت نتيجة تراكم هذه الدقائق. فالنجاح لا يصنعه يوم واحد، كما أن إهدار الوقت لا يحدث غالبًا في يوم واحد، وإنما من خلال عادات صغيرة تتكرر باستمرار.

ومن هنا تظهر أهمية الوعي بطريقة استخدام اليوم. فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف كيف يقضي وقته بالفعل قبل أن يحاول تغييره. وقد يكتشف عند تسجيل أنشطته اليومية أن هناك أوقاتًا طويلة تضيع دون نتيجة حقيقية.

وهذا الوعي يمثل الخطوة الأولى نحو التغيير، لأن الإنسان لا يستطيع إصلاح ما لا يراه بوضوح.

كما يرتبط تنظيم الوقت بتحديد الأهداف. فالإنسان الذي لا يعرف إلى أين يريد أن يذهب يصعب عليه أن يعرف كيف يستخدم وقته. أما وجود أهداف واضحة فيمنح اليوم اتجاهًا، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على التمييز بين ما يقربه من أهدافه وما يبعده عنها.

لكن الهدف العام وحده لا يكفي. فقول الإنسان «أريد النجاح» أو «أريد تطوير حياتي» لا يتحول تلقائيًا إلى نتيجة. الهدف يحتاج إلى خطة، والخطة تحتاج إلى خطوات، والخطوات تحتاج إلى وقت محدد يتم الالتزام به.

ومن هنا فإن التخطيط يمثل أحد أهم مفاتيح إدارة الوقت. فالإنسان الذي يخطط ليومه يستطيع أن يبدأ وهو يعرف ما يريد إنجازه، بينما الشخص الذي يترك يومه مفتوحًا أمام كل الاحتمالات قد يجد نفسه يعمل طوال اليوم في أمور لم تكن ضمن أولوياته.

والتخطيط لا يعني أن يحول الإنسان حياته إلى جدول جامد لا يستطيع الخروج عنه، وإنما يعني أن يكون لديه تصور واضح لما يحتاج إلى إنجازه، مع ترك مساحة للظروف الطارئة والتغيرات غير المتوقعة.

ومن الأفكار المهمة كذلك ترتيب الأولويات. فليس كل عمل يستحق الوقت نفسه، وليس كل مهمة لها القيمة نفسها. وقد يقع الإنسان في خطأ الانشغال بالأمور السهلة والسريعة لأنه يشعر بالإنجاز عندما ينتهي منها، بينما يؤجل المهام الأكبر والأكثر أهمية.

وقد ينتهي اليوم وقد أتم الإنسان عشرات الأعمال الصغيرة، لكنه لم يقترب خطوة حقيقية من هدفه الأساسي.

ومن هنا يحتاج الإنسان إلى أن يسأل نفسه: ما أهم شيء يجب أن أنجزه اليوم؟ وما المهمة التي إذا أنجزتها ستحدث أكبر فرق في حياتي أو عملي؟

وهذا السؤال البسيط يساعد على الانتقال من مجرد الانشغال إلى الإنتاجية الحقيقية.

ويرتبط ترتيب الأولويات بالتمييز بين المهم والعاجل. فقد يكون الأمر عاجلًا لكنه ليس مهمًا، وقد يكون هناك عمل مهم لكنه لا يفرض نفسه بصورة عاجلة، فيؤجله الإنسان حتى يصبح أزمة.

ومن هنا فإن الشخص المنظم يحاول أن يهتم بالأمور المهمة قبل أن تتحول إلى مشكلات عاجلة، لأن الوقاية من الأزمة غالبًا أقل تكلفة من التعامل معها بعد وقوعها.

كما أن التسويف يمثل أحد أكبر العقبات أمام إدارة الوقت. فالإنسان قد يعرف ما ينبغي أن يفعله، لكنه يؤجل البداية، ثم يجد نفسه تحت ضغط الوقت في آخر لحظة.

والتسويف قد يكون سببه الخوف من الفشل، أو صعوبة المهمة، أو عدم وضوح البداية، أو رغبة الإنسان في أن يؤدي العمل بصورة مثالية.

ومن هنا يمكن مقاومة التسويف بتحويل المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة. فبدلًا من النظر إلى العمل باعتباره جبلًا كبيرًا، يبدأ الإنسان بأول خطوة، ثم ينتقل إلى الخطوة التالية.

وغالبًا ما تكون المشكلة الحقيقية هي البداية. فعندما يبدأ الإنسان بالفعل، تقل رهبة المهمة ويصبح الاستمرار أسهل.

ومن هنا تأتي أهمية عدم انتظار الظروف المثالية. فالحياة نادرًا ما تقدم للإنسان الوقت المثالي والطاقة المثالية والظروف المثالية في اللحظة نفسها.

والإنجاز يحتاج إلى أن يبدأ الإنسان بما يملكه الآن، ثم يطور طريقته مع مرور الوقت.

كما يناقش مفهوم إدارة الوقت أهمية التركيز. فالإنسان الذي يوزع انتباهه بين الهاتف والرسائل والعمل والمكالمات ومواقع التواصل قد يستهلك طاقة كبيرة دون أن يحقق نتيجة متناسبة مع هذا الجهد.

وقد يبدو تعدد المهام في البداية علامة على النشاط، لكنه في كثير من الحالات يجعل الإنسان ينتقل بين أعمال كثيرة دون أن يمنح أيًا منها التركيز الكافي.

ومن هنا فإن تخصيص فترة محددة لمهمة واحدة قد يكون أكثر فاعلية من محاولة القيام بكل شيء في الوقت نفسه.

كما أن المقاطعات تمثل مصدرًا مهمًا لإهدار الوقت. وقد تكون المقاطعة قصيرة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى وقت حتى يستعيد الإنسان تركيزه بعد العودة إلى العمل.

ولهذا فإن تنظيم الهاتف والإشعارات والمكالمات والاجتماعات يمكن أن يوفر قدرًا كبيرًا من الوقت والطاقة.

ومن الأفكار المهمة كذلك معرفة أوقات النشاط الشخصي. فبعض الناس يكونون أكثر تركيزًا في الصباح، بينما يفضل آخرون ساعات المساء. والمهم أن يعرف الإنسان متى تكون طاقته في أفضل حالاتها، وأن يستفيد من هذه الفترة في الأعمال التي تحتاج إلى تفكير وتركيز.

أما الأعمال الروتينية والبسيطة فيمكن وضعها في الأوقات التي تقل فيها الطاقة.

وهنا يظهر أن إدارة الوقت ترتبط أيضًا بإدارة الطاقة. فقد يمتلك الإنسان وقتًا طويلًا، لكنه لا يمتلك القدرة الذهنية على استخدامه بكفاءة إذا كان مرهقًا أو محرومًا من النوم.

ومن هنا فإن الراحة والنوم ليسا عدوين للإنجاز، وإنما عنصران أساسيان لاستمرار الإنتاجية.

فالإنسان الذي يعمل بلا توقف قد يعتقد أنه يستفيد من وقته، لكنه قد يخسر جودة العمل وسرعة التفكير والقدرة على اتخاذ القرار.

كما أن إدارة الوقت تحتاج إلى معرفة متى يقول الإنسان «لا». فالموافقة على كل طلب وكل دعوة وكل مهمة قد تجعل الإنسان يعيش وفق أولويات الآخرين بدلًا من أولوياته.

وقول «لا» بطريقة محترمة ليس أنانية، وإنما هو اعتراف بحدود الوقت والطاقة. فالإنسان لا يستطيع أن يفعل كل شيء، ولذلك عليه أن يختار ما يستحق اهتمامه.

ومن هنا فإن احترام الوقت يعني أيضًا احترام الالتزامات. فعندما يوافق الإنسان على مهمة، ينبغي أن يكون قادرًا على الوفاء بها، وإلا أصبح تراكم الوعود مصدرًا للضغط والفوضى.

ويرتبط بذلك مفهوم التفويض. فليس من الضروري أن يقوم الإنسان بكل شيء بنفسه. بعض الأعمال يمكن أن يقوم بها الآخرون بصورة جيدة، وقد يكون توزيع المسؤوليات أكثر فاعلية من محاولة شخص واحد السيطرة على كل التفاصيل.

والتفويض لا يعني التخلي عن المسؤولية، وإنما استخدام الموارد البشرية والوقت بصورة أفضل.

كما أن الاجتماعات والمكالمات قد تتحول إلى مصدر كبير لإهدار الوقت إذا لم يكن لها هدف واضح. ولذلك فإن الاجتماع الناجح يحتاج إلى تحديد الغرض منه، والأشخاص الذين يحتاجون إلى الحضور، والوقت المناسب، والنتيجة المطلوبة.

فكلما كان الاجتماع أكثر تنظيمًا، أصبح من الممكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة في وقت أقل.

ومن هنا تظهر قيمة الاختصار. ليس كل أمر يحتاج إلى وقت طويل، وليس كل حديث يحتاج إلى تفاصيل لا تنتهي، وليس كل مهمة تحتاج إلى حضور عدد كبير من الأشخاص.

كما أن التكنولوجيا تمثل سلاحًا ذا حدين في علاقتها بإدارة الوقت. فهي تساعد الإنسان على الوصول إلى المعلومات والتواصل وإنجاز الأعمال بسرعة، لكنها يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر وسائل تشتيت الانتباه.

وقد يتحول الهاتف من أداة للعمل إلى وسيلة تسرق ساعات اليوم دون أن يشعر الإنسان.

ومن هنا يحتاج الإنسان إلى أن يحدد أوقاتًا لاستخدام مواقع التواصل والرسائل، بدلًا من أن يظل متاحًا لها طوال اليوم.

فكل مرة يفتح فيها الإنسان هاتفه بلا هدف واضح قد تبدو مجرد دقائق، لكن مجموع هذه الدقائق قد يتحول إلى ساعات في نهاية اليوم.

كما أن العادات اليومية لها تأثير كبير في إدارة الوقت. فالإنسان لا يصنع مستقبله بالقرارات الكبيرة فقط، وإنما بالعادات الصغيرة التي يكررها كل يوم.

عادة التأجيل، والسهر، والفوضى، والتصفح المستمر، وتأجيل القرارات قد تبدو تفاصيل بسيطة، لكنها عندما تتكرر تتحول إلى نمط حياة.

وفي المقابل فإن التخطيط، والتنظيم، وترتيب الأولويات، والبدء في الوقت المناسب، ومراجعة اليوم يمكن أن تتحول إلى عادات تساعد الإنسان على استعادة السيطرة على وقته.

ومن هنا فإن إدارة الوقت ليست قرارًا مؤقتًا، وإنما أسلوب حياة.

كما أن تنظيم المكان يمكن أن يساعد على تنظيم الوقت. فالإنسان الذي يبحث باستمرار عن أوراقه وملفاته وأدواته يهدر وقتًا كان يمكن استخدامه في إنجاز العمل.

ولذلك فإن ترتيب المكتب والملفات والأشياء اليومية قد يبدو أمرًا بسيطًا، لكنه يوفر وقتًا متراكمًا على المدى الطويل.

ومن الأفكار المهمة كذلك مراجعة استخدام الوقت بصورة دورية. فلا يكفي أن يضع الإنسان خطة ثم ينساها، وإنما يحتاج إلى أن يسأل نفسه: ماذا أنجزت؟ ماذا أخرت؟ أين ضاع وقتي؟ وما الذي يمكن أن أفعله بصورة أفضل؟

وهذه المراجعة ليست بهدف لوم النفس، وإنما بهدف التعلم.

فإذا اكتشف الإنسان أن وقتًا كبيرًا يضيع في نشاط معين، يستطيع أن يبحث عن طريقة لتقليله أو تنظيمه.

ومن هنا يصبح كل يوم تجربة تساعد الإنسان على تحسين طريقة استخدامه لوقته.

كما أن إدارة الوقت تحتاج إلى المرونة. فالخطة قد تتغير بسبب ظرف طارئ أو مسؤولية جديدة أو مشكلة لم تكن في الحسبان.

والشخص المنظم ليس هو الذي يلتزم بالخطة مهما حدث، وإنما هو الذي يستطيع تعديلها دون أن يفقد الاتجاه الأساسي.

فالمرونة تعني تغيير الوسيلة عند الحاجة مع الحفاظ على الهدف.

كما أن التوازن يمثل جانبًا أساسيًا من إدارة الوقت. فالعمل ليس كل الحياة، والإنسان يحتاج إلى وقت لأسرته وراحته وصحته وعلاقاته وتعلمه.

وقد يحقق الإنسان نجاحًا مهنيًا كبيرًا، لكنه يدفع ثمن ذلك إذا أهمل صحته أو أسرته أو حياته الشخصية بصورة مستمرة.

ومن هنا فإن الإدارة الجيدة للوقت لا تهدف إلى جعل الإنسان يعمل طوال اليوم، وإنما إلى مساعدته على توزيع وقته بصورة تحقق قدرًا من التوازن.

فالراحة ليست وقتًا ضائعًا، والجلوس مع الأسرة ليس وقتًا ضائعًا، وممارسة الرياضة ليست وقتًا ضائعًا، والتعلم ليس وقتًا ضائعًا. المهم هو أن يعرف الإنسان وظيفة الوقت الذي يخصصه لكل جانب من جوانب حياته.

ومن القضايا المهمة كذلك الفرق بين النشاط والإنتاجية. فقد يكون الإنسان مشغولًا طوال اليوم دون أن يكون منتجًا بصورة حقيقية.

الانشغال ليس دليلًا على النجاح، وكثرة المهام ليست بالضرورة علامة على حسن إدارة الوقت.

وقد يكون يوم أنجز فيه الإنسان ثلاث مهام مهمة أفضل من يوم أنهى فيه عشرين مهمة صغيرة لم تضف شيئًا إلى أهدافه الأساسية.

ومن هنا فإن الإنتاجية الحقيقية ترتبط بالنتائج وليس بعدد الساعات أو عدد المهام فقط.

كما أن اتخاذ القرار يحتاج إلى وقت، لكن التردد المستمر قد يتحول إلى وسيلة لإهدار الوقت. فالإنسان الذي يعيد التفكير في القرار نفسه عشرات المرات دون أن يقترب من الحسم قد يستهلك طاقته دون نتيجة.

والقرارات المهمة تحتاج إلى دراسة، لكن الدراسة ينبغي أن تؤدي في النهاية إلى قرار، وليس إلى مزيد من التردد.

ومن هنا فإن الإنسان يحتاج إلى جمع المعلومات الضرورية، ثم اتخاذ القرار، مع الاستعداد لتعديل المسار إذا ظهرت معلومات جديدة.

كما أن الخوف من الخطأ قد يجعل الإنسان يؤجل بعض الأعمال. لكن محاولة ضمان النتيجة قبل البداية قد تمنع الإنسان من خوض التجربة أصلًا.

والنجاح في كثير من الأحيان يحتاج إلى تجربة ومراجعة وتصحيح، وليس إلى انتظار ضمان كامل.

ومن هنا فإن إدارة الوقت تحتاج إلى الشجاعة؛ شجاعة أن تبدأ، وأن تجرب، وأن تتعلم من الأخطاء، وأن تعيد المحاولة.

ويرتبط الوقت كذلك بالصبر. فبعض الأهداف تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها، مثل التعليم وبناء الخبرة وتطوير المهارات وإقامة مشروع ناجح.

والإنسان الذي يبحث دائمًا عن النتيجة السريعة قد يتخلى عن أشياء جيدة قبل أن تحصل على الوقت الكافي للنمو.

ومن هنا فإن الصبر لا يعني الانتظار بلا عمل، وإنما الاستمرار في العمل مع إدراك أن بعض النتائج تحتاج إلى وقت.

كما أن الإنسان يحتاج إلى التفكير في المستقبل دون أن يسمح له بسرقة الحاضر. فالتخطيط للمستقبل ضروري، لكن القلق المستمر بشأن ما قد يحدث قد يستهلك وقتًا وطاقة دون فائدة.

والتوازن هنا هو أن يخطط الإنسان لما يستطيع التخطيط له، ثم يركز على الخطوة التي يستطيع تنفيذها اليوم.

ومن الأفكار المهمة كذلك أن الوقت يجب أن يرتبط بالقيم والأهداف. فالإنسان قد يقول إن الأسرة مهمة بالنسبة إليه، لكن إذا لم يمنحها وقتًا حقيقيًا فإن هذه الأولوية تظل مجرد كلام.

وما يفعله الإنسان بوقته يكشف بدرجة كبيرة ما يعتبره مهمًا بالفعل.

ومن هنا يمكن أن تصبح مراجعة جدول اليوم مراجعة للحياة نفسها: هل الوقت الذي أقضيه يتناسب مع ما أقول إنني أريده؟

كما أن إدارة الوقت تساعد الإنسان على اكتشاف الأشياء التي لا تستحق أن تشغل حياته. فقد يكون هناك نشاط أو التزام اعتاد عليه الإنسان سنوات، رغم أنه لم يعد يضيف له قيمة حقيقية.

والقدرة على التخلص من بعض الأنشطة غير الضرورية قد تكون أهم من محاولة إضافة المزيد من المهام.

ومن هنا فإن التنظيم لا يعني أن تضيف دائمًا، وإنما يعني أن تعرف أيضًا ماذا تحذف.

ومن نقاط القوة في الأفكار التي يطرحها الكتاب أنها تجعل إدارة الوقت مرتبطة بالنجاح الشخصي، لكنها لا تختزل النجاح في العمل والمال فقط. فالإنسان يحتاج إلى إدارة وقته بطريقة تساعده على بناء حياة متوازنة ذات معنى.

وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع إدارة الوقت باعتبارها وصفة سحرية تضمن النجاح في كل الظروف. فهناك عوامل خارج سيطرة الإنسان، وهناك ظروف اقتصادية واجتماعية ومهنية قد تؤثر في قدرته على تنفيذ خططه.

كما أن التنظيم وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه عمل حقيقي ومرونة واستعداد للتعلم والتغيير.

ومن هنا يمكن النظر إلى إدارة الوقت باعتبارها إدارة للاختيارات. فالإنسان يختار يوميًا أين يضع اهتمامه، ومع من يقضي وقته، وما الذي يتعلمه، وما الذي يؤجله، وما الذي يرفضه.

والوقت لا ينتظر الإنسان حتى يكون مستعدًا، ولذلك فإن تأجيل الحياة إلى وقت أفضل قد يؤدي إلى ضياع سنوات كاملة.

وقد يقضي الإنسان سنوات وهو يقول إنه سيبدأ عندما تتحسن الظروف، ثم يكتشف أن الظروف لا تصبح مثالية أبدًا، وأن أفضل وقت للبدء كان عندما اتخذ القرار وبدأ في تنفيذ أول خطوة.

ومن هنا تظهر أهمية العمل في الحاضر مع التخطيط للمستقبل.

كما أن إدراك قيمة الوقت يجعل الإنسان أكثر حرصًا على الأشخاص والأعمال والأهداف التي يمنحها جزءًا من عمره.

فالوقت ليس مجرد أرقام على الساعة، وإنما هو حياة الإنسان نفسها.

ومن هنا يمكن أن تصبح كل ساعة فرصة للتعلم، وكل يوم فرصة للإنجاز، وكل أسبوع فرصة للمراجعة، وكل سنة فرصة لإعادة ترتيب الاتجاه.

وفي النهاية، لا يكون النجاح في إدارة الوقت أن يملأ الإنسان يومه بالمهام، وإنما أن يعرف ما الذي يستحق وقته، وأن ينجز المهم، وأن يتجنب ما يشتته، وأن يترك مساحة للراحة والأسرة والحياة.

فالإنسان الناجح لا يحاول أن يفعل كل شيء، وإنما يعرف ما الذي يجب أن يفعله، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي يمكن تفويضه، وما الذي يجب أن يرفضه.

وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

يقدم كتاب «إدارة الوقت» للدكتور إبراهيم الفقي رؤية تقوم على أن الوقت هو أحد أهم الموارد التي يمتلكها الإنسان، وأن حسن استخدامه يرتبط بوضوح الأهداف وترتيب الأولويات والتخطيط والتركيز والتغلب على التسويف والاستفادة من الطاقة المتاحة.

وهنا تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب: الإنسان لا يستطيع أن يضيف ساعة إلى يومه، لكنه يستطيع أن يمنع ساعات كثيرة من الضياع، وأن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يجعل وقته أكثر ارتباطًا بما يريد تحقيقه في حياته.

فإدارة الوقت ليست أن تعمل طوال الوقت، وإنما أن تجعل الوقت الذي تعمل فيه أكثر فاعلية، وأن تمنح الأسرة والراحة والصحة والتعلم والعمل المكان المناسب في حياتك.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لموضوع الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: إدارة الوقت

المؤلف: د. إبراهيم الفقي

التصنيف: تطوير الذات والتنمية البشرية وإدارة الوقت

الموضوع الرئيسي: تنظيم الوقت وترتيب الأولويات والتخطيط وتحقيق الأهداف وزيادة الفاعلية الشخصية

الفكرة المركزية: لا يستطيع الإنسان التحكم في مرور الوقت، لكنه يستطيع إدارة نفسه وأولوياته وطريقة استخدامه للوقت المتاح أمامه.

١٤٣٠ هـ / ٢٠٠٩م

رقم الإيداع: ٢٠٠٩/٢٤١٦

الترقيم الدولي: ۸-۲۷-۹۳۰۷-۹۷۷-۹۷۸

إبداع

للإعلام والنشر

في

جمهورية مصر العربية – المنوفية

شبين الكوم – البر الشرقي

شارع محمد فريد البحري

هاتف: ٢٠٤٨٢٢٣٦٥٥٨ +

محمول: ٠١٨٤٤٤٤٦٩٧ – ٠١٠٣٧٦١٢٢٥

E-mail: oloob 2006@yahho.com

جمهورية مصر العربية، القاهرة.

الدرب الأتراك، خلف الجامع الأزهر

E-mail: waledelsaga Gryshoc.com

حقوق الطبع محفوظة

جميع حقوق المؤلف والناشر محفوظة وفق البيانات الواردة في النسخة التي أشرت إليها، وهذه المادة قراءة صحفية تحليلية مستقلة لأفكار الكتاب وليست إعادة نشر لمحتواه، ولا تغني عن الرجوع إلى النسخة الأصلية.إدارة الوقت.. كيف تستعيد السيطرة على ساعات يومك
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يناقش كتاب «إدارة الوقت» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بحياة الإنسان ونجاحه، وهي الطريقة التي يتعامل بها مع الوقت المتاح أمامه. فالوقت هو المورد الوحيد الذي يحصل عليه الجميع بالقدر نفسه كل يوم، لكن الاختلاف الحقيقي يظهر في كيفية استخدامه، وما إذا كان الإنسان يحول ساعاته إلى إنجاز أم يسمح لها بأن تضيع وسط التفاصيل والانشغالات.
ومن هنا تأتي أهمية الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يوقف الوقت أو يزيد عدد ساعات اليوم، لكنه يستطيع أن يدير نفسه وأولوياته واختياراته. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست أن اليوم قصير، وإنما أن الإنسان لا يعرف أين يذهب وقته، ولا يحدد بصورة واضحة ما الذي يستحق أن يحصل على اهتمامه.
وقد يقول الإنسان باستمرار «ليس لدي وقت»، بينما تكشف مراجعة يومه أن جزءًا كبيرًا من الساعات المتاحة يذهب إلى أمور لم تكن ضمن خطته أصلًا. مكالمات طويلة، تصفح الهاتف، أحاديث جانبية، تأجيل المهام، أو الانتقال من مهمة إلى أخرى دون إتمام أي منها.
ومن أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب أن إدارة الوقت تبدأ من إدراك قيمة الوقت. فالساعة التي تمر لا يمكن استعادتها، واليوم الذي ينتهي لا يمكن إعادته، ولذلك فإن إهدار الوقت ليس مجرد خسارة دقائق، وإنما خسارة جزء من العمر نفسه.
وقد لا يشعر الإنسان بقيمة الدقائق الصغيرة، لكنه عندما ينظر إلى السنوات الماضية يكتشف أن كثيرًا من النتائج التي وصل إليها كانت نتيجة تراكم هذه الدقائق. فالنجاح لا يصنعه يوم واحد، كما أن إهدار الوقت لا يحدث غالبًا في يوم واحد، وإنما من خلال عادات صغيرة تتكرر باستمرار.
ومن هنا تظهر أهمية الوعي بطريقة استخدام اليوم. فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف كيف يقضي وقته بالفعل قبل أن يحاول تغييره. وقد يكتشف عند تسجيل أنشطته اليومية أن هناك أوقاتًا طويلة تضيع دون نتيجة حقيقية.
وهذا الوعي يمثل الخطوة الأولى نحو التغيير، لأن الإنسان لا يستطيع إصلاح ما لا يراه بوضوح.
كما يرتبط تنظيم الوقت بتحديد الأهداف. فالإنسان الذي لا يعرف إلى أين يريد أن يذهب يصعب عليه أن يعرف كيف يستخدم وقته. أما وجود أهداف واضحة فيمنح اليوم اتجاهًا، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على التمييز بين ما يقربه من أهدافه وما يبعده عنها.
لكن الهدف العام وحده لا يكفي. فقول الإنسان «أريد النجاح» أو «أريد تطوير حياتي» لا يتحول تلقائيًا إلى نتيجة. الهدف يحتاج إلى خطة، والخطة تحتاج إلى خطوات، والخطوات تحتاج إلى وقت محدد يتم الالتزام به.
ومن هنا فإن التخطيط يمثل أحد أهم مفاتيح إدارة الوقت. فالإنسان الذي يخطط ليومه يستطيع أن يبدأ وهو يعرف ما يريد إنجازه، بينما الشخص الذي يترك يومه مفتوحًا أمام كل الاحتمالات قد يجد نفسه يعمل طوال اليوم في أمور لم تكن ضمن أولوياته.
والتخطيط لا يعني أن يحول الإنسان حياته إلى جدول جامد لا يستطيع الخروج عنه، وإنما يعني أن يكون لديه تصور واضح لما يحتاج إلى إنجازه، مع ترك مساحة للظروف الطارئة والتغيرات غير المتوقعة.
ومن الأفكار المهمة كذلك ترتيب الأولويات. فليس كل عمل يستحق الوقت نفسه، وليس كل مهمة لها القيمة نفسها. وقد يقع الإنسان في خطأ الانشغال بالأمور السهلة والسريعة لأنه يشعر بالإنجاز عندما ينتهي منها، بينما يؤجل المهام الأكبر والأكثر أهمية.
وقد ينتهي اليوم وقد أتم الإنسان عشرات الأعمال الصغيرة، لكنه لم يقترب خطوة حقيقية من هدفه الأساسي.
ومن هنا يحتاج الإنسان إلى أن يسأل نفسه: ما أهم شيء يجب أن أنجزه اليوم؟ وما المهمة التي إذا أنجزتها ستحدث أكبر فرق في حياتي أو عملي؟
وهذا السؤال البسيط يساعد على الانتقال من مجرد الانشغال إلى الإنتاجية الحقيقية.
ويرتبط ترتيب الأولويات بالتمييز بين المهم والعاجل. فقد يكون الأمر عاجلًا لكنه ليس مهمًا، وقد يكون هناك عمل مهم لكنه لا يفرض نفسه بصورة عاجلة، فيؤجله الإنسان حتى يصبح أزمة.
ومن هنا فإن الشخص المنظم يحاول أن يهتم بالأمور المهمة قبل أن تتحول إلى مشكلات عاجلة، لأن الوقاية من الأزمة غالبًا أقل تكلفة من التعامل معها بعد وقوعها.
كما أن التسويف يمثل أحد أكبر العقبات أمام إدارة الوقت. فالإنسان قد يعرف ما ينبغي أن يفعله، لكنه يؤجل البداية، ثم يجد نفسه تحت ضغط الوقت في آخر لحظة.
والتسويف قد يكون سببه الخوف من الفشل، أو صعوبة المهمة، أو عدم وضوح البداية، أو رغبة الإنسان في أن يؤدي العمل بصورة مثالية.
ومن هنا يمكن مقاومة التسويف بتحويل المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة. فبدلًا من النظر إلى العمل باعتباره جبلًا كبيرًا، يبدأ الإنسان بأول خطوة، ثم ينتقل إلى الخطوة التالية.
وغالبًا ما تكون المشكلة الحقيقية هي البداية. فعندما يبدأ الإنسان بالفعل، تقل رهبة المهمة ويصبح الاستمرار أسهل.
ومن هنا تأتي أهمية عدم انتظار الظروف المثالية. فالحياة نادرًا ما تقدم للإنسان الوقت المثالي والطاقة المثالية والظروف المثالية في اللحظة نفسها.
والإنجاز يحتاج إلى أن يبدأ الإنسان بما يملكه الآن، ثم يطور طريقته مع مرور الوقت.
كما يناقش مفهوم إدارة الوقت أهمية التركيز. فالإنسان الذي يوزع انتباهه بين الهاتف والرسائل والعمل والمكالمات ومواقع التواصل قد يستهلك طاقة كبيرة دون أن يحقق نتيجة متناسبة مع هذا الجهد.
وقد يبدو تعدد المهام في البداية علامة على النشاط، لكنه في كثير من الحالات يجعل الإنسان ينتقل بين أعمال كثيرة دون أن يمنح أيًا منها التركيز الكافي.
ومن هنا فإن تخصيص فترة محددة لمهمة واحدة قد يكون أكثر فاعلية من محاولة القيام بكل شيء في الوقت نفسه.
كما أن المقاطعات تمثل مصدرًا مهمًا لإهدار الوقت. وقد تكون المقاطعة قصيرة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى وقت حتى يستعيد الإنسان تركيزه بعد العودة إلى العمل.
ولهذا فإن تنظيم الهاتف والإشعارات والمكالمات والاجتماعات يمكن أن يوفر قدرًا كبيرًا من الوقت والطاقة.
ومن الأفكار المهمة كذلك معرفة أوقات النشاط الشخصي. فبعض الناس يكونون أكثر تركيزًا في الصباح، بينما يفضل آخرون ساعات المساء. والمهم أن يعرف الإنسان متى تكون طاقته في أفضل حالاتها، وأن يستفيد من هذه الفترة في الأعمال التي تحتاج إلى تفكير وتركيز.
أما الأعمال الروتينية والبسيطة فيمكن وضعها في الأوقات التي تقل فيها الطاقة.
وهنا يظهر أن إدارة الوقت ترتبط أيضًا بإدارة الطاقة. فقد يمتلك الإنسان وقتًا طويلًا، لكنه لا يمتلك القدرة الذهنية على استخدامه بكفاءة إذا كان مرهقًا أو محرومًا من النوم.
ومن هنا فإن الراحة والنوم ليسا عدوين للإنجاز، وإنما عنصران أساسيان لاستمرار الإنتاجية.
فالإنسان الذي يعمل بلا توقف قد يعتقد أنه يستفيد من وقته، لكنه قد يخسر جودة العمل وسرعة التفكير والقدرة على اتخاذ القرار.
كما أن إدارة الوقت تحتاج إلى معرفة متى يقول الإنسان «لا». فالموافقة على كل طلب وكل دعوة وكل مهمة قد تجعل الإنسان يعيش وفق أولويات الآخرين بدلًا من أولوياته.
وقول «لا» بطريقة محترمة ليس أنانية، وإنما هو اعتراف بحدود الوقت والطاقة. فالإنسان لا يستطيع أن يفعل كل شيء، ولذلك عليه أن يختار ما يستحق اهتمامه.
ومن هنا فإن احترام الوقت يعني أيضًا احترام الالتزامات. فعندما يوافق الإنسان على مهمة، ينبغي أن يكون قادرًا على الوفاء بها، وإلا أصبح تراكم الوعود مصدرًا للضغط والفوضى.
ويرتبط بذلك مفهوم التفويض. فليس من الضروري أن يقوم الإنسان بكل شيء بنفسه. بعض الأعمال يمكن أن يقوم بها الآخرون بصورة جيدة، وقد يكون توزيع المسؤوليات أكثر فاعلية من محاولة شخص واحد السيطرة على كل التفاصيل.
والتفويض لا يعني التخلي عن المسؤولية، وإنما استخدام الموارد البشرية والوقت بصورة أفضل.
كما أن الاجتماعات والمكالمات قد تتحول إلى مصدر كبير لإهدار الوقت إذا لم يكن لها هدف واضح. ولذلك فإن الاجتماع الناجح يحتاج إلى تحديد الغرض منه، والأشخاص الذين يحتاجون إلى الحضور، والوقت المناسب، والنتيجة المطلوبة.
فكلما كان الاجتماع أكثر تنظيمًا، أصبح من الممكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة في وقت أقل.
ومن هنا تظهر قيمة الاختصار. ليس كل أمر يحتاج إلى وقت طويل، وليس كل حديث يحتاج إلى تفاصيل لا تنتهي، وليس كل مهمة تحتاج إلى حضور عدد كبير من الأشخاص.
كما أن التكنولوجيا تمثل سلاحًا ذا حدين في علاقتها بإدارة الوقت. فهي تساعد الإنسان على الوصول إلى المعلومات والتواصل وإنجاز الأعمال بسرعة، لكنها يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر وسائل تشتيت الانتباه.
وقد يتحول الهاتف من أداة للعمل إلى وسيلة تسرق ساعات اليوم دون أن يشعر الإنسان.
ومن هنا يحتاج الإنسان إلى أن يحدد أوقاتًا لاستخدام مواقع التواصل والرسائل، بدلًا من أن يظل متاحًا لها طوال اليوم.
فكل مرة يفتح فيها الإنسان هاتفه بلا هدف واضح قد تبدو مجرد دقائق، لكن مجموع هذه الدقائق قد يتحول إلى ساعات في نهاية اليوم.
كما أن العادات اليومية لها تأثير كبير في إدارة الوقت. فالإنسان لا يصنع مستقبله بالقرارات الكبيرة فقط، وإنما بالعادات الصغيرة التي يكررها كل يوم.
عادة التأجيل، والسهر، والفوضى، والتصفح المستمر، وتأجيل القرارات قد تبدو تفاصيل بسيطة، لكنها عندما تتكرر تتحول إلى نمط حياة.
وفي المقابل فإن التخطيط، والتنظيم، وترتيب الأولويات، والبدء في الوقت المناسب، ومراجعة اليوم يمكن أن تتحول إلى عادات تساعد الإنسان على استعادة السيطرة على وقته.
ومن هنا فإن إدارة الوقت ليست قرارًا مؤقتًا، وإنما أسلوب حياة.
كما أن تنظيم المكان يمكن أن يساعد على تنظيم الوقت. فالإنسان الذي يبحث باستمرار عن أوراقه وملفاته وأدواته يهدر وقتًا كان يمكن استخدامه في إنجاز العمل.
ولذلك فإن ترتيب المكتب والملفات والأشياء اليومية قد يبدو أمرًا بسيطًا، لكنه يوفر وقتًا متراكمًا على المدى الطويل.
ومن الأفكار المهمة كذلك مراجعة استخدام الوقت بصورة دورية. فلا يكفي أن يضع الإنسان خطة ثم ينساها، وإنما يحتاج إلى أن يسأل نفسه: ماذا أنجزت؟ ماذا أخرت؟ أين ضاع وقتي؟ وما الذي يمكن أن أفعله بصورة أفضل؟
وهذه المراجعة ليست بهدف لوم النفس، وإنما بهدف التعلم.
فإذا اكتشف الإنسان أن وقتًا كبيرًا يضيع في نشاط معين، يستطيع أن يبحث عن طريقة لتقليله أو تنظيمه.
ومن هنا يصبح كل يوم تجربة تساعد الإنسان على تحسين طريقة استخدامه لوقته.
كما أن إدارة الوقت تحتاج إلى المرونة. فالخطة قد تتغير بسبب ظرف طارئ أو مسؤولية جديدة أو مشكلة لم تكن في الحسبان.
والشخص المنظم ليس هو الذي يلتزم بالخطة مهما حدث، وإنما هو الذي يستطيع تعديلها دون أن يفقد الاتجاه الأساسي.
فالمرونة تعني تغيير الوسيلة عند الحاجة مع الحفاظ على الهدف.
كما أن التوازن يمثل جانبًا أساسيًا من إدارة الوقت. فالعمل ليس كل الحياة، والإنسان يحتاج إلى وقت لأسرته وراحته وصحته وعلاقاته وتعلمه.
وقد يحقق الإنسان نجاحًا مهنيًا كبيرًا، لكنه يدفع ثمن ذلك إذا أهمل صحته أو أسرته أو حياته الشخصية بصورة مستمرة.
ومن هنا فإن الإدارة الجيدة للوقت لا تهدف إلى جعل الإنسان يعمل طوال اليوم، وإنما إلى مساعدته على توزيع وقته بصورة تحقق قدرًا من التوازن.
فالراحة ليست وقتًا ضائعًا، والجلوس مع الأسرة ليس وقتًا ضائعًا، وممارسة الرياضة ليست وقتًا ضائعًا، والتعلم ليس وقتًا ضائعًا. المهم هو أن يعرف الإنسان وظيفة الوقت الذي يخصصه لكل جانب من جوانب حياته.
ومن القضايا المهمة كذلك الفرق بين النشاط والإنتاجية. فقد يكون الإنسان مشغولًا طوال اليوم دون أن يكون منتجًا بصورة حقيقية.
الانشغال ليس دليلًا على النجاح، وكثرة المهام ليست بالضرورة علامة على حسن إدارة الوقت.
وقد يكون يوم أنجز فيه الإنسان ثلاث مهام مهمة أفضل من يوم أنهى فيه عشرين مهمة صغيرة لم تضف شيئًا إلى أهدافه الأساسية.
ومن هنا فإن الإنتاجية الحقيقية ترتبط بالنتائج وليس بعدد الساعات أو عدد المهام فقط.
كما أن اتخاذ القرار يحتاج إلى وقت، لكن التردد المستمر قد يتحول إلى وسيلة لإهدار الوقت. فالإنسان الذي يعيد التفكير في القرار نفسه عشرات المرات دون أن يقترب من الحسم قد يستهلك طاقته دون نتيجة.
والقرارات المهمة تحتاج إلى دراسة، لكن الدراسة ينبغي أن تؤدي في النهاية إلى قرار، وليس إلى مزيد من التردد.
ومن هنا فإن الإنسان يحتاج إلى جمع المعلومات الضرورية، ثم اتخاذ القرار، مع الاستعداد لتعديل المسار إذا ظهرت معلومات جديدة.
كما أن الخوف من الخطأ قد يجعل الإنسان يؤجل بعض الأعمال. لكن محاولة ضمان النتيجة قبل البداية قد تمنع الإنسان من خوض التجربة أصلًا.
والنجاح في كثير من الأحيان يحتاج إلى تجربة ومراجعة وتصحيح، وليس إلى انتظار ضمان كامل.
ومن هنا فإن إدارة الوقت تحتاج إلى الشجاعة؛ شجاعة أن تبدأ، وأن تجرب، وأن تتعلم من الأخطاء، وأن تعيد المحاولة.
ويرتبط الوقت كذلك بالصبر. فبعض الأهداف تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها، مثل التعليم وبناء الخبرة وتطوير المهارات وإقامة مشروع ناجح.
والإنسان الذي يبحث دائمًا عن النتيجة السريعة قد يتخلى عن أشياء جيدة قبل أن تحصل على الوقت الكافي للنمو.
ومن هنا فإن الصبر لا يعني الانتظار بلا عمل، وإنما الاستمرار في العمل مع إدراك أن بعض النتائج تحتاج إلى وقت.
كما أن الإنسان يحتاج إلى التفكير في المستقبل دون أن يسمح له بسرقة الحاضر. فالتخطيط للمستقبل ضروري، لكن القلق المستمر بشأن ما قد يحدث قد يستهلك وقتًا وطاقة دون فائدة.
والتوازن هنا هو أن يخطط الإنسان لما يستطيع التخطيط له، ثم يركز على الخطوة التي يستطيع تنفيذها اليوم.
ومن الأفكار المهمة كذلك أن الوقت يجب أن يرتبط بالقيم والأهداف. فالإنسان قد يقول إن الأسرة مهمة بالنسبة إليه، لكن إذا لم يمنحها وقتًا حقيقيًا فإن هذه الأولوية تظل مجرد كلام.
وما يفعله الإنسان بوقته يكشف بدرجة كبيرة ما يعتبره مهمًا بالفعل.
ومن هنا يمكن أن تصبح مراجعة جدول اليوم مراجعة للحياة نفسها: هل الوقت الذي أقضيه يتناسب مع ما أقول إنني أريده؟
كما أن إدارة الوقت تساعد الإنسان على اكتشاف الأشياء التي لا تستحق أن تشغل حياته. فقد يكون هناك نشاط أو التزام اعتاد عليه الإنسان سنوات، رغم أنه لم يعد يضيف له قيمة حقيقية.
والقدرة على التخلص من بعض الأنشطة غير الضرورية قد تكون أهم من محاولة إضافة المزيد من المهام.
ومن هنا فإن التنظيم لا يعني أن تضيف دائمًا، وإنما يعني أن تعرف أيضًا ماذا تحذف.
ومن نقاط القوة في الأفكار التي يطرحها الكتاب أنها تجعل إدارة الوقت مرتبطة بالنجاح الشخصي، لكنها لا تختزل النجاح في العمل والمال فقط. فالإنسان يحتاج إلى إدارة وقته بطريقة تساعده على بناء حياة متوازنة ذات معنى.
وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع إدارة الوقت باعتبارها وصفة سحرية تضمن النجاح في كل الظروف. فهناك عوامل خارج سيطرة الإنسان، وهناك ظروف اقتصادية واجتماعية ومهنية قد تؤثر في قدرته على تنفيذ خططه.
كما أن التنظيم وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه عمل حقيقي ومرونة واستعداد للتعلم والتغيير.
ومن هنا يمكن النظر إلى إدارة الوقت باعتبارها إدارة للاختيارات. فالإنسان يختار يوميًا أين يضع اهتمامه، ومع من يقضي وقته، وما الذي يتعلمه، وما الذي يؤجله، وما الذي يرفضه.
والوقت لا ينتظر الإنسان حتى يكون مستعدًا، ولذلك فإن تأجيل الحياة إلى وقت أفضل قد يؤدي إلى ضياع سنوات كاملة.
وقد يقضي الإنسان سنوات وهو يقول إنه سيبدأ عندما تتحسن الظروف، ثم يكتشف أن الظروف لا تصبح مثالية أبدًا، وأن أفضل وقت للبدء كان عندما اتخذ القرار وبدأ في تنفيذ أول خطوة.
ومن هنا تظهر أهمية العمل في الحاضر مع التخطيط للمستقبل.
كما أن إدراك قيمة الوقت يجعل الإنسان أكثر حرصًا على الأشخاص والأعمال والأهداف التي يمنحها جزءًا من عمره.
فالوقت ليس مجرد أرقام على الساعة، وإنما هو حياة الإنسان نفسها.
ومن هنا يمكن أن تصبح كل ساعة فرصة للتعلم، وكل يوم فرصة للإنجاز، وكل أسبوع فرصة للمراجعة، وكل سنة فرصة لإعادة ترتيب الاتجاه.
وفي النهاية، لا يكون النجاح في إدارة الوقت أن يملأ الإنسان يومه بالمهام، وإنما أن يعرف ما الذي يستحق وقته، وأن ينجز المهم، وأن يتجنب ما يشتته، وأن يترك مساحة للراحة والأسرة والحياة.
فالإنسان الناجح لا يحاول أن يفعل كل شيء، وإنما يعرف ما الذي يجب أن يفعله، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي يمكن تفويضه، وما الذي يجب أن يرفضه.
وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
يقدم كتاب «إدارة الوقت» للدكتور إبراهيم الفقي رؤية تقوم على أن الوقت هو أحد أهم الموارد التي يمتلكها الإنسان، وأن حسن استخدامه يرتبط بوضوح الأهداف وترتيب الأولويات والتخطيط والتركيز والتغلب على التسويف والاستفادة من الطاقة المتاحة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب: الإنسان لا يستطيع أن يضيف ساعة إلى يومه، لكنه يستطيع أن يمنع ساعات كثيرة من الضياع، وأن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يجعل وقته أكثر ارتباطًا بما يريد تحقيقه في حياته.
فإدارة الوقت ليست أن تعمل طوال الوقت، وإنما أن تجعل الوقت الذي تعمل فيه أكثر فاعلية، وأن تمنح الأسرة والراحة والصحة والتعلم والعمل المكان المناسب في حياتك.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لموضوع الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: إدارة الوقت
المؤلف: د. إبراهيم الفقي
التصنيف: تطوير الذات والتنمية البشرية وإدارة الوقت
الموضوع الرئيسي: تنظيم الوقت وترتيب الأولويات والتخطيط وتحقيق الأهداف وزيادة الفاعلية الشخصية
الفكرة المركزية: لا يستطيع الإنسان التحكم في مرور الوقت، لكنه يستطيع إدارة نفسه وأولوياته وطريقة استخدامه للوقت المتاح أمامه.
١٤٣٠ هـ / ٢٠٠٩م
رقم الإيداع: ٢٠٠٩/٢٤١٦
الترقيم الدولي: ۸-۲۷-۹۳۰۷-۹۷۷-۹۷۸
إبداع
للإعلام والنشر
في
جمهورية مصر العربية – المنوفية
شبين الكوم – البر الشرقي
شارع محمد فريد البحري
هاتف: ٢٠٤٨٢٢٣٦٥٥٨ +
محمول: ٠١٨٤٤٤٤٦٩٧ – ٠١٠٣٧٦١٢٢٥
E-mail: oloob 2006@yahho.com
جمهورية مصر العربية، القاهرة.
الدرب الأتراك، خلف الجامع الأزهر
E-mail: waledelsaga Gryshoc.com
حقوق الطبع محفوظة
جميع حقوق المؤلف والناشر محفوظة وفق البيانات الواردة في النسخة التي أشرت إليها، وهذه المادة قراءة صحفية تحليلية مستقلة لأفكار الكتاب وليست إعادة نشر لمحتواه، ولا تغني عن الرجوع إلى النسخة الأصلية.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *