هناك سؤال ربما أصبح أهم من سؤال: «ابني بيذاكر كويس ولا لأ؟».. السؤال الحقيقي هو: مين اللي بيشكل شخصيته فعلًا؟
المدرسة التي يقضي فيها ساعات طويلة كل يوم؟ أم الهاتف الذي يظل في يده بعد أن يعود إلى البيت، وربما قبل أن ينام، وأحيانًا بمجرد أن يفتح عينيه في الصباح؟
الحقيقة أن المعركة لم تعد بين البيت والمدرسة فقط. دخل لاعب ثالث إلى حياة أبنائنا، لكنه لاعب مختلف تمامًا؛ لا يحتاج إلى جدول حصص، ولا إلى مدرس، ولا إلى كتاب، ولا حتى إلى موافقة أحد. إنه الهاتف.
والأخطر أن الهاتف لا يدخل إلى حياة الطفل باعتباره «جهازًا» فقط، وإنما يدخل ومعه عالم كامل من الأشخاص والأفكار والصور والموسيقى والمعلومات والتحديات والآراء وأنماط الحياة.
وهنا تصبح المسألة أكبر من عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة. السؤال الحقيقي هو: ماذا يتعلم خلال هذه الساعات؟
فالمدرسة لها وقت محدد، ومناهج محددة، وقواعد واضحة، ومعلم يعرف أن أمامه مجموعة من الطلاب وأن عليه أن يعلمهم شيئًا معينًا. أما الهاتف فلا توجد له نهاية واضحة. كلما انتهى مقطع، ظهر آخر، وكلما شاهد الطفل شيئًا، اقترحت عليه المنصة شيئًا جديدًا. ومع الوقت، يمكن أن يصبح ما يشاهده الطفل أكثر تأثيرًا عليه مما يسمعه من الكبار من حوله.
وهنا تكمن قوة الهاتف.
هو لا يحاضر على الطفل، ولا يقول له «أنا أعلمك». هو ببساطة يجعله يشاهد ويكرر ويتفاعل، ثم يترك عقله يتولى الباقي.
قد يتعلم الطفل من الهاتف لغة جديدة، أو معلومة علمية، أو مهارة، أو طريقة لاستخدام برنامج، أو حتى فكرة تساعده في الدراسة. ومن هذه الزاوية، الهاتف ليس عدوًا للتعليم. المشكلة تبدأ عندما نترك الهاتف يقوم بالدور الذي يفترض أن يقوم به الإنسان.
عندما يصبح الهاتف هو الذي يشرح، ويسلي، ويجيب، ويملأ وقت الفراغ، ويقدم النصيحة، ويحدد للطفل ما يشاهده، بل وأحيانًا يصبح الوسيلة التي يلجأ إليها عندما يشعر بالوحدة أو الملل، هنا لا نتحدث عن جهاز إلكتروني فقط.
نحن نتحدث عن تأثير تربوي مستمر.
والطفل لا يتعلم من الكلام فقط. يتعلم من التكرار، ومن النماذج التي يراها، ومن الأشياء التي تحظى باهتمامه. فإذا كان يقضي ساعات كل يوم أمام محتوى يمجد العنف أو الاستهلاك أو الاستعراض أو السخرية من الآخرين، فلا يمكن أن نتوقع أن يمحو درس أخلاقي في المدرسة كل هذا التأثير.
المشكلة أن المدرسة أحيانًا تحاول أن تبني شخصية الطفل خلال ساعات قليلة، بينما الهاتف يعمل معه طوال اليوم.
المعلم يقول له: «فكر».
والهاتف يقول له: «اسحب لأعلى».
المعلم يقول له: «اصبر حتى تعرف الإجابة».
والهاتف يعطيه عشرات الإجابات في ثوانٍ.
المعلم يحاول أن يعلمه الاستماع إلى الآخرين، بينما الهاتف يعرض عليه باستمرار محتوى مصممًا لكي يجعله يعود إليه مرة أخرى.
وهذا لا يعني أن المدرسة تخسر المعركة، لكنه يعني أن قواعد اللعبة تغيرت.
فالمدرسة لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة، وربما لم تعد حتى المصدر الأكثر حضورًا في حياة بعض الأطفال.
لكن هل يعني ذلك أن الهاتف أصبح أقوى من المدرسة؟
ليس بالضرورة.
لأن المدرسة تملك شيئًا لا يستطيع الهاتف أن يقدمه بنفس الصورة: العلاقة الإنسانية الحقيقية.
المعلم يرى الطالب أمامه. يلاحظ أنه شارد، أو متوتر، أو سعيد، أو منعزل. يستطيع أن يسأله، ويتناقش معه، ويصحح له فكرة، ويعلمه كيف يتعامل مع زميله. والمدرسة أيضًا تعلم الطفل شيئًا لا يظهر في الكتب: كيف ينتظر دوره، وكيف يختلف مع شخص آخر، وكيف يعمل داخل فريق، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يتعامل مع الفشل والنجاح.
وهذه الأشياء لا يمكن اختزالها في فيديو مدته دقيقة.
لكن المشكلة تظهر عندما تتخلى الأسرة نفسها عن دورها، وتضع الهاتف في يد الطفل كأنه «مربية إلكترونية».
الطفل زهقان؟ الهاتف.
الطفل بيعيط؟ الهاتف.
الأب والأم مشغولين؟ الهاتف.
الطفل خلص أكله؟ الهاتف.
الأسرة في مطعم؟ الهاتف.
حتى أحيانًا في السيارة، وبين أفراد الأسرة أنفسهم، يكون كل شخص في عالمه الخاص خلف شاشة صغيرة.
ثم نسأل بعد سنوات: لماذا أصبح ابني لا يتحدث معنا؟
ربما لأننا علمناه منذ سنوات أن الصمت مع الهاتف أسهل من الحوار مع الإنسان.
وهنا يجب أن نفهم أن المشكلة ليست في أن الطفل يستخدم الهاتف، وإنما في أن الهاتف قد يصبح بديلًا عن العلاقات.
والأمر لا يتعلق فقط بالمحتوى الذي يشاهده الطفل، بل بعاداته أيضًا.
هل يستطيع أن يجلس نصف ساعة دون هاتف؟
هل يستطيع أن يقرأ كتابًا دون أن يبحث عن شيء آخر؟
هل يستطيع أن يشعر بالملل دون أن يهرب إلى الشاشة؟
هل يستطيع أن يتحدث مع شخص آخر دون أن ينظر إلى هاتفه كل دقيقتين؟
هذه الأسئلة ربما تكون أهم من عدد التطبيقات الموجودة على جهازه.
لأن الطفل الذي لا يتعلم كيف يتحمل الملل، قد يكبر وهو يبحث دائمًا عن جرعة جديدة من الإثارة. والطفل الذي لا يتعلم كيف يحل مشكلة بنفسه، قد يصبح أول ما يفعله عندما يواجه سؤالًا هو البحث عن إجابة جاهزة.
والطفل الذي يعتاد أن يحصل على كل شيء بسرعة، قد يجد صعوبة في التعامل مع الأشياء التي تحتاج إلى وقت وصبر.
وهنا نعود إلى التعليم مرة أخرى.
التعليم الحقيقي لا يعني أن يعرف الطفل أكبر عدد من المعلومات، وإنما أن يتعلم كيف يفكر عندما لا تكون الإجابة أمامه.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي والهاتف والمحتوى السريع.
إذا كان الهاتف يستطيع أن يعطي ابنك الإجابة، فالمدرسة والبيت يجب أن يعلمه كيف يسأل السؤال الصحيح، وكيف يتأكد من الإجابة، وكيف يختلف معها، وكيف يستخدمها، وكيف يفكر بنفسه.
وهذا يعني أن دور المدرسة لن يقل في المستقبل، لكنه سيتغير.
لن يكون من المنطقي أن تنافس المدرسة الهاتف في كمية المعلومات؛ الهاتف سيفوز. ولن تستطيع المدرسة منافسة المنصات في عدد المقاطع والصور؛ المنصات ستفوز.
لكن المدرسة تستطيع أن تفعل شيئًا أهم: أن تعلم الطفل كيف يعيش في عالم مليء بالمعلومات دون أن يتحول إلى شخص تحركه المعلومات.
والأسرة هنا لها الدور الأكبر.
لا يمكن أن نقول للطفل «سيب الموبايل» بينما الأب والأم يقضيان معظم الوقت أمام شاشاتهما.
لا يمكن أن نطلب منه القراءة ونحن لا نقرأ.
ولا يمكن أن نطلب منه الحوار ونحن لا نستمع إليه.
الأطفال لا يتعلمون فقط مما نقوله لهم، وإنما مما يرونه فينا.
وربما لهذا السبب فإن السؤال «المدرسة أم الهاتف؟» ليس السؤال الصحيح أصلًا.
لأن الهاتف لن يختفي، والمدرسة لن تختفي، والتكنولوجيا ستزداد حضورًا في حياة أبنائنا.
السؤال الحقيقي هو: هل سنترك الهاتف يربي أبناءنا بالنيابة عنا، أم سنعلم أبناءنا كيف يستخدمون الهاتف دون أن يسمحوا له بأن يستخدمهم؟
فالطفل لا يحتاج إلى عالم بلا تكنولوجيا. يحتاج إلى عائلة تعرف التكنولوجيا، ومدرسة تفهمها، وحدود واضحة، وحوار مستمر، ومساحة حقيقية للحياة خارج الشاشة.
وفي النهاية، قد لا يكون الهاتف هو الذي يربي أبناءنا أكثر من المدرسة، وقد لا تكون المدرسة هي التي تربيهم أكثر من الهاتف.
لكن المؤكد أن الطرف الغائب هو الذي سيترك مكانه لغيره.
فإذا غاب الأب والأم، دخل الهاتف. وإذا أصبحت المدرسة مجرد درجات وامتحانات، بحث الطفل عن المعرفة في مكان آخر.
أما إذا تعاون البيت والمدرسة، وأصبح الهاتف أداة في يد الطفل بدلًا من أن يصبح الطفل أداة في يد الهاتف، فربما نستطيع أن نحصل على أفضل ما في العالمين.
لأن المشكلة ليست أن أبناءنا يمسكون الهاتف كثيرًا… المشكلة أن نترك الهاتف يمسك عقولهم.







