في كل عام دراسي جديد، تتكرر المشاهد نفسها، طوابير من الطلاب أمام المدارس، حقائب ثقيلة على ظهور الأطفال، أولياء أمور يبحثون عن مدرسة مناسبة، ومعلمون يحاولون القيام بواجبهم وسط ضغوط متزايدة.
لكن خلف هذه الصورة التقليدية توجد مشكلة أكبر من مجرد ازدحام الفصول أو ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية.
المشكلة الحقيقية أن التعليم في أحيان كثيرة لم يعد يمنح الطالب ما يحتاجه للحياة، بقدر ما يدربه على اجتياز الامتحان.
فالطالب الذي يحفظ صفحات طويلة من الكتب قد يحصل على درجة مرتفعة، لكنه قد يجد نفسه عاجزًا عن التعبير عن رأيه، أو البحث عن معلومة موثوقة، أو التفكير في أكثر من حل لمشكلة واحدة.
الفصل المزدحم.. أول الطريق
ففي داخل بعض الفصول، يتحول المعلم من صاحب رسالة تربوية إلى شخص يحاول فقط السيطرة على العدد الكبير من الطلاب وإنهاء المنهج في موعده، وكلما زاد عدد الطلاب، تراجعت فرصة المعلم في معرفة الفروق بينهم.
هناك طالب يحتاج إلى شرح إضافي، وآخر متفوق يحتاج إلى تحدٍ أكبر، وثالث يعاني مشكلة أسرية أو نفسية تؤثر على تحصيله.
لكن عندما يكون الفصل مكتظًا، يصبح من الصعب رؤية الطالب كإنسان له احتياجات مختلفة.
المعلم .. بداية الأزمة
لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عن المعلم، فالمعلم ليس مجرد موظف يدخل الفصل ليشرح درسًا وينصرف، فهو الشخص الذي يقضي ساعات طويلة أمام الطلاب، ويتعامل مع اختلاف مستوياتهم وشخصياتهم، ويحاول في الوقت نفسه الالتزام بالمناهج والامتحانات والتعليمات الإدارية.
وعندما يشعر المعلم بأن مجهوده لا يُقدَّر بالشكل الكافي، وأن عليه أعباء إدارية متزايدة، يصبح التطوير الحقيقي أكثر صعوبة.
ولعل إصلاح التعليم يبدأ من احترام المعلم وتأهيله، لا من تحميله مسؤولية كل أزمات المنظومة.
الدروس الخصوصية.. عرض لمشكلة أعمق
أصبح الدرس الخصوصي بالنسبة إلى كثير من الأسر ليس رفاهية، وإنما محاولة لضمان أن يحصل الابن على فرصة لفهم ما لم يستطع استيعابه داخل المدرسة.
وهنا يجب أن نسأل السؤال الأصعب لماذا يحتاج الطالب إلى دفع تكلفة إضافية حتى يحصل على التعليم الذي يفترض أن يحصل عليه داخل المدرسة؟
الدروس الخصوصية ليست المشكلة الوحيدة، لكنها في الوقت نفسه مؤشر واضح على وجود فجوة بين ما تقدمه المدرسة وما يحتاجه الطالب.
ومع ارتفاع تكلفتها، تتحول الفجوة التعليمية إلى فجوة اجتماعية؛ فالأسرة القادرة على الدفع تستطيع توفير بدائل أكثر، بينما تجد الأسر محدودة الدخل نفسها أمام خيارات أقل.
التعليم قضية مجتمع
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن أزمة التعليم ليست مسؤولية وزارة واحدة فقط، فالمدرسة جزء من منظومة أكبر تضم الأسرة والمعلم والمجتمع والدولة.
والإصلاح الحقيقي يحتاج إلى أن نتوقف عن البحث عن «المتهم» ونبدأ في البحث عن الحل.
لأن خسارة التعليم لا تظهر في نتيجة امتحان فقط، وإنما تظهر بعد سنوات في شاب لا يجد فرصة عمل، أو خريج يحمل شهادة لكنه يفتقد المهارة، أو طفل فقد شغفه بالتعلم قبل أن يكتشف قدراته.
التعليم الجيد ليس أن يخرج الطالب حافظًا للمنهج، وإنما أن يخرج قادرًا على فهم الحياة والتعامل معها وصناعة مستقبله.
والتسجيل في مؤتمر نماء لتطوير التعليم اضغط على اللينك
https://forms.gle/eZx1CFidhE2Tru95A
للتواصل عبر الهاتف: 01040407474







