تقرير: آية علاء
يبدأ المشهد كل عام بصورة تبدو مألوفة؛ طالب يحمل شهادة التخرج، وأسرة تنتظر أن تحصد ثمار سنوات طويلة من الإنفاق والتعب، ثم تبدأ رحلة البحث عن الوظيفة. لكن المفاجأة تأتي عندما يكتشف الخريج أن الطريق من الجامعة إلى سوق العمل ليس بالسهولة التي تخيلها، وأن الشهادة التي حصل عليها بعد سنوات من الدراسة قد لا تقوده بالضرورة إلى وظيفة في تخصصه.
هنا تتكشف واحدة من أكثر أزمات التعليم وسوق العمل تعقيدًا؛ جامعات تواصل تخريج أعداد كبيرة، وسوق عمل لا يملك العدد نفسه من الفرص المناسبة لهذه التخصصات، فالمشكلة لم تعد مجرد زيادة مؤقتة في أعداد الخريجين، وإنما أصبحت انعكاسًا لفجوة أعمق بين ما تنتجه منظومة التعليم العالي وما يحتاج إليه الاقتصاد فعليًا. فبينما تتكدس أعداد كبيرة من الخريجين في بعض تخصصات العلوم الإنسانية والآداب، تواجه قطاعات إنتاجية وتكنولوجية صعوبة في العثور على الكفاءات التي تمتلك المهارات المطلوبة.
الشهادة موجودة.. والوظيفة غائبة
المفارقة أن رحلة الخريج تبدأ غالبًا بعد سنوات من الدراسة، لكنه يكتشف أن سوق العمل لا ينتظر الشهادة وحدها، وإنما يبحث عن مهارات وخبرات تتوافق مع طبيعة الوظائف المتاحة، ويزداد الأمر صعوبة عندما يكون التخصص نفسه يعاني تشبعًا في أعداد الخريجين، بينما لا توجد فرص كافية لاستيعابهم، فيجد الشاب نفسه أمام خيارات محدودة؛ إما العمل في مجال بعيد عن دراسته، أو قبول وظيفة لا تتناسب مع مؤهله، أو الاستمرار في البحث عن فرصة قد تتأخر سنوات.
سوق العمل يطلب.. والجامعة تخرج
كما تظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تبحث الشركات والمصانع عن موظفين يمتلكون مهارات متخصصة، بينما تجد أعدادًا كبيرة من الخريجين غير مستعدين بصورة كافية لشغل هذه الوظائف، فالقطاع الخاص لا يحتاج فقط إلى شخص يحمل مؤهلًا جامعيًا، وإنما إلى خريج يستطيع استخدام الأدوات الحديثة، وتحليل البيانات، والتعامل مع التكنولوجيا، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات، والتكيف مع متطلبات الوظيفة.
وفي المقابل، تضطر بعض المؤسسات إلى تخصيص وقت وميزانيات إضافية لتدريب الخريجين وتأهيلهم، حتى يتمكنوا من أداء مهام أساسية يفترض أن يكون التعليم الجامعي قد أعدهم لها.
غياب خريطة واضحة للاحتياجات
وراء هذه الفجوة سؤال أكثر أهمية: هل نعرف قبل سنوات من تخرج الطالب الوظائف التي سيحتاج إليها الاقتصاد؟، غياب الدراسات الدورية الدقيقة حول احتياجات سوق العمل يجعل عملية التخطيط للقبول الجامعي أكثر صعوبة، ويؤدي إلى استمرار تدفق أعداد كبيرة من الطلاب إلى تخصصات قد تكون فرصها محدودة مستقبلًا.
وفي الوقت نفسه، قد لا تحصل التخصصات المرتبطة بالقطاعات الأسرع نموًا على الأعداد أو الموارد التي تتناسب مع حجم الطلب المتوقع عليها، والنتيجة هي معادلة مختلة: تخصصات تنتج أعدادًا تفوق قدرة السوق على الاستيعاب، وأخرى تعاني نقصًا في الكفاءات.
فاتورة يدفعها الطالب والأسرة والاقتصاد
لا تتوقف آثار المشكلة عند حدود البحث عن وظيفة، لأن وراء كل خريج سنوات من الإنفاق والانتظار والتوقعات.
فالأسرة التي أنفقت على تعليم ابنها تنتظر أن يتحول المؤهل إلى فرصة عمل واستقرار مادي، بينما يجد الخريج نفسه أمام بطالة أو وظيفة بعيدة عن تخصصه، في وقت يفقد فيه الاقتصاد جزءًا من طاقة بشرية كان يمكن توظيفها في الإنتاج.
وفي الجانب الآخر، تتحمل الشركات تكلفة إضافية لإعادة تدريب وتأهيل خريجين جدد، وهو ما يزيد الفجوة بين التعليم والتوظيف ويؤثر على سرعة دخول الشباب إلى سوق العمل.
الحل يبدأ من بوابة الجامعة
ردم هذه الفجوة لا يحتاج إلى تغيير المناهج فقط، وإنما إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الجامعة وسوق العمل من الأساس.
ويأتي في مقدمة الحلول تطوير سياسات القبول الجامعي وفقًا لاحتياجات الاقتصاد المستقبلية، مع مراجعة أعداد المقبولين في التخصصات التي تعاني تشبعًا، والتوسع بصورة مدروسة في التخصصات المرتبطة بالقطاعات الجديدة والواعدة.
كما تحتاج الجامعات إلى بناء شراكات حقيقية مع الشركات والمصانع، بحيث لا تظل المناهج حبيسة قاعات المحاضرات، وإنما تتطور وفقًا لما يحدث فعليًا داخل سوق العمل.
ويشمل ذلك التدريب العملي، والمشروعات المشتركة، والاستعانة بخبراء من القطاع الخاص، وتحديث البرامج الدراسية بصورة مستمرة، حتى يتخرج الطالب وهو يمتلك المعرفة والمهارة والخبرة الأولية التي يحتاج إليها صاحب العمل.
من «مجموعك كام؟» إلى «سوق العمل محتاج إيه؟»
المعادلة التي تحكم اختيار الكلية تحتاج هي الأخرى إلى التغيير، فالسؤال الذي يبدأ به الطالب رحلة التنسيق لا ينبغي أن يكون فقط: «مجموعي يدخلني كلية إيه؟»، وإنما يجب أن يتبعه سؤال أكثر أهمية: «التخصص ده سوق العمل محتاجه؟».
للمشاركة في مؤتمر النماء لتطوير التعليم اضغط هنا للتسجيل أو التواصل مع الرقم 01040407474







