بقلم عمرو فكري
التعليم مش مجرد شهادة بنحطها في ملف التقديم على الوظيفة ولا سنين بنقضيها بين المدرسة والجامعة وبعدها نكتشف إننا دخلنا سوق العمل ومعانا معلومات كتير لكن ناقصنا أهم حاجة وهي القدرة على استخدام المعلومات دي
المشكلة الحقيقية في التعليم المصري مش إن الطالب المصري أقل ذكاء أو إن الجامعات والمدارس عاجزة عن تقديم أي قيمة بالعكس مصر عندها ملايين الشباب القادرين على التعلم والابتكار وعندها أساتذة ومعلمون أصحاب خبرات كبيرة لكن الأزمة موجودة في المسافة الواسعة بين اللي الطالب بيتعلمه واللي المجتمع وسوق العمل محتاجينه
سوق العمل بيتغير بسرعة غير مسبوقة وظائف بتختفي ووظائف جديدة بتظهر ومهارات كانت كافية للحصول على وظيفة من عشر سنوات أصبحت اليوم مجرد نقطة بداية الشركات لم تعد تبحث فقط عن شخص يحمل مؤهلا جامعيا لكنها تبحث عن شخص يعرف يفكر ويحل مشكلة ويتعامل مع التكنولوجيا ويتواصل بشكل جيد ويعمل داخل فريق ويتعلم بسرعة
وهنا تظهر المفارقة طالب ممكن يقضي أكثر من خمسة عشر عاما داخل منظومة التعليم ثم يدخل أول مقابلة عمل فيكتشف أن أهم الأسئلة ليست عن درجاته في الامتحانات وإنما عن قدرته على التفكير والتطبيق والتواصل واستخدام الأدوات الحديثة
الحل مش إننا نلغي المناهج ونبدأ من الصفر ولا إننا نحول كل المدارس والجامعات إلى مراكز تدريب وظيفي لأن التعليم له دور أكبر من مجرد إعداد الموظف التعليم الحقيقي لازم يبني إنسان قادر على الفهم والنقد والإبداع واتخاذ القرار وفي نفس الوقت لازم يكون قادرا على التعامل مع الواقع الاقتصادي والتكنولوجي
أول خطوة حقيقية تبدأ من تحديث المناهج بحيث تنتقل من فكرة الحفظ والاسترجاع إلى الفهم والتطبيق الطالب محتاج يتعلم كيف يبحث عن المعلومة وكيف يتأكد منها وكيف يستخدمها في حل مشكلة حقيقية بدل ما يكون النجاح مرتبطا بقدرته على حفظ أكبر كمية من المعلومات قبل الامتحان
الخطوة الثانية هي إعادة الاعتبار للمهارات العملية داخل التعليم المدارس والجامعات يمكن أن توفر مشروعات حقيقية وتدريبات ومهام جماعية مرتبطة بالحياة وسوق العمل الطالب الذي يدرس التجارة مثلا يمكن أن يدير مشروعا افتراضيا والطالب الذي يدرس الهندسة يمكن أن يعمل على مشكلة حقيقية والطالب الذي يدرس الإعلام يمكن أن ينتج محتوى متكاملا والطالب الذي يدرس القانون يمكن أن يتدرب على تحليل قضايا وصياغة المستندات
الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص يمكن أن تكون نقطة تحول كبيرة الشركات تعرف احتياجاتها الفعلية أكثر من أي جهة أخرى ولذلك يجب أن يكون لها دور في تصميم بعض البرامج التدريبية وتوفير فرص التدريب الصيفي والمشاركة في تقييم المهارات المطلوبة من الخريجين
لكن هناك جانب آخر لا يقل أهمية وهو المعلم لأن أي محاولة لإصلاح التعليم من غير تطوير وضع المعلم وتأهيله بشكل مستمر هتفضل مجرد تغيير في الكتب والجداول المعلم هو الشخص الذي يحول المنهج من صفحات مكتوبة إلى تجربة تعليمية حقيقية ولذلك يحتاج إلى تدريب مستمر وأدوات حديثة ومساحة أكبر للإبداع داخل الفصل
التكنولوجيا أيضا ليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى وقت لاحق الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي غيرا شكل الوظائف بالفعل وبالتالي أصبح من الضروري أن يتعلم الطالب استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول وليس فقط التعامل مع الهاتف أو التطبيقات المطلوب هو بناء ثقافة رقمية تبدأ من البحث والتحليل وتنتهي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والبرمجة وتحليل البيانات وفقا لطبيعة كل تخصص
وفي المقابل يجب ألا نرتكب خطأ الاعتقاد بأن كل المستقبل موجود داخل البرمجة والذكاء الاصطناعي سوق العمل يحتاج أيضا إلى الحرفيين والفنيين والممرضين والفنيين الصناعيين والعاملين في الزراعة والصناعة والخدمات ولذلك التعليم الفني محتاج يتحول من اختيار اضطراري إلى مسار تعليمي محترم له مستقبل واضح وشراكات حقيقية مع المصانع والشركات
المشكلة ليست فقط في عدد الوظائف المتاحة لكنها أيضا في عدم التوافق بين التخصصات واحتياجات الاقتصاد لذلك نحتاج إلى بيانات أكثر دقة عن سوق العمل تساعد الطلاب على اتخاذ قراراتهم التعليمية وتساعد الدولة على التخطيط للتخصصات التي يحتاجها الاقتصاد خلال السنوات القادمة
يمكن أيضا إنشاء نظام وطني لقياس مهارات الخريجين بعيدا عن تقدير الشهادة وحده بحيث يحصل الطالب على ملف مهارات يوضح قدرته على التواصل والعمل الجماعي والتفكير النقدي والمهارات الرقمية واللغات والخبرات العملية وهذا سيجعل الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل أكثر عدلا ووضوحا
إصلاح التعليم مش مشروع سنة ولا قرار وزاري واحد لكنه عملية طويلة تحتاج إلى رؤية ثابتة لا تتغير مع كل تغيير إداري النجاح الحقيقي لن يظهر عندما تزيد أعداد الشهادات الجامعية وإنما عندما يصبح الخريج أكثر قدرة على صناعة قيمة حقيقية لنفسه ولمؤسسته ولمجتمعه
مصر لا ينقصها الشباب ولا ينقصها الطموح ولا ينقصها الذكاء ما ينقصها هو منظومة تربط كل هذه الطاقة بالفرص المناسبة التعليم يجب ألا يكون محطة تنتهي عند استلام الشهادة بل رحلة تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم العالم والتعامل معه وصناعة مكانه داخله
عندما يصبح الطالب متعلما لا حافظا فقط ويصبح المعلم صانعا للعقل لا ناقلا للمعلومة وتصبح الجامعة شريكا حقيقيا لسوق العمل ويصبح التعليم الفني طريقا للمستقبل وليس بديلا اضطراريا وقتها فقط سنبدأ في سد الفجوة بين التعليم والتوظيف
المستقبل لن ينتظر أن نصل إليه والمشكلة أن العالم لا يسأل أبناءنا ماذا حفظتم لكنه سيسألهم ماذا تستطيعون أن تفعلوا بما تعلمتموه







