تمهيد:
أثارت حوادث الطرق الحرة التي تنتهي بتبادل اطلاق النار بين الطلاب المراهقين في المدارس ، أو الموظفين المفصولين من الخدمة وهم يحاولون قتل زملائهم السابقين، العديد من التساؤلات حول تغير اسلوب التعامل بين البشر من استخدامهم تعبير نهارك سعيد الي رفعهم شعار دعني وشأني .
وعلى الرغم من أن عقد الثمانينيات قد حمل إلينا أخبارا سيئة فإنه شهد زيادة غير مسبوقة في الأبحاث والدراسات العـلـمـيـة المـتـعـلـقـة بعواطف الإنسان..كان أكثرها اثارة تلك الأبحاث التي تناولت اللمحات المصورة للمخ وهو يعمل، فبفضل التكنولوجيا الحديثة اصبح متاحا للانسان أن يري ما كان يعتقد انه مستحيلا .
وكيف تعمل هذه المجموعة المعقدة من الخلايا معا وقت تفكير الانسان أو تخيلة موضوعا من الموضوعات، ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الفيض من البيانات العصبية البيولوجية إلي فهم الإنسان بوضوح أكبر بكثير من أي وقت مضى.
و كيف تحركنا مراكز المخ لخاصة بالعاطفة، فنشعر بالغضب أو نبكي بالدموع وكيف توجه أجزاء المخ الأقـدم الـتـي قد تدفعنا إلى أن نخوض حربا..او تدفعنا دفعا لممارسة مشاعر الحب سواء أكان ذلك بصورة أفضل أو أكثر سوءا، بصورة وضعت في بؤرة البحث العلمي ألوانا حديثة من العلاج لازماتنا العاطفية والجماعية.
حاول دانيال جولمان مؤلف الكتاب لقيام برحـلـة عملية لقراءة العواطف الانسانية بصورة علمية، علي امل الوصول إلى مزيد من الفهم لبعض، باعتبارها أكثر اللحظات المحيرة في حياتنا الشخصية وفي العالم المحيط بنا.
وحدد نهاية الرحلة بالمرحلة التي يستطيع فيها فهم معنى وكيفية ربط الذكاء بالعاطفة..فلا شك أن هذا الفهم ذاته سيكون عونا لنا فبمجرد دخول الإدراك إلي مملكة المشاعر له تأثير مشابه للأثر الذي يتركه وجود الملاحظ على مستوى الـكـم أو quantum level في الـفــيزياء.. والذي يـؤدي إلى تغييــر فيمـا تتــم ملاحظته.
اهتم الكاتب في الباب الأول من الكتاب بآخر اكتشافات تركيبة المخ العاطفية التي تقدم تفسيرا لتلك اللحظات الأكثر حيرة في حياتنا والتي تهيمن فيها مشاعرنا علي عقولنا… لأن فهم التفاعل بين تراكيـب المـخ التي تحكم لحظات غضبنا وخوفنا و لحظات الحب والفرحة يـكـشـف عن الكثير فيما يتعلق بكيفية تعلمنا للعادات العاطفية التي يمكن أن تقوض أفضل أهدافنا وكذلك ما الذي بوسعنا أن نفعله للسيطرة على انفعالاتنا.
العاطفية الهدامة والمسببة للاحباط، والأكثر أهمية هنا هو أن معطيات دراسة الجهاز العصبي تتيح مجالا واسعا لإمكان تشكيل العادات العاطفية لأطفالنا.
وتوقف في الباب الثاني امام كيفية تدخل معطياتنا العصبية في تشـكـيـل المـهـارة الأساسية لممارسة الحياة والتي نسميها «الـذكـاء الـعـاطـفـي». أي أن نـكـون قادرين على التحكم في نزعاتنا ونزواتنا وأن نقرأ مشاعـر الآخـريـن الدفينة ونتعامل بمرونة في علاقاتنا مع الآخرين .
أو على حد تعبير أرسطو: «تلك المهارة النادرة على أن نغضب من الشخص المناسب بالقدر المناسب في الوقت المناسب وللهدف المناسب».
هذا النموذج المسهب يعنى أن يكون المرء «ذكيا يعرف كيف يضع العواطف في بؤرة القدرات الشخصية في التعامل مع الحياة.
أما الباب الثالث من الكتاب فيبحث في بعض الاختلافـات الأسـاسـيـة، المترتبة على هذه القدرات مثل كيف يمكن لهذه القدرات أن تصون علاقتنا، الأكثر أهمية أو كيف يفسد الافـتـقـار إلـى هـذه الـقـدرات تـلـك الـعـلاقـات.
وكيف تسبغ قوى السوق التي تعيد تشكيل حياتنا العملية أهمية غير مسبوقة، على الذكاء العاطفي من أجل تحقيق النـجـاح فـي الـعـمـل.
وكـيـف تـتـسـبـب العواطف المسمومة في تهديد صحتنا الجسدية وإصابتها بالمخاطر، مثلما يفعل فينا الافراط في التدخين في الوقت الذي يمكن للتوازن العاطفي أن يحمي صحتنا وسعادتنا على حد سواء.
إن إرثنا الجيني يهب كل واحد منا سلسلة من الخصائص العاطفية التي، تحدد طباعنا.. غير أن مجموعة دوائر المخ الكهربية المعنية هنا هي دوائر، مرنة بصورة غير عادية ومن ثم فالطبع ليس قدرا لا يـتـغـيـر.
اما الجزء الرابع من الكتاب فتناول أن ما نتعلمه من دروس عاطفية بصفتنا أطفـالا، في منازلنا وطلابا في المدارس يشكل الدوائر العاطفية التي إما تجـعـلـنـا، أكثر تمرسا وإما أكثر غباء فيما يتصل بأساسيات الذكاء العاطفي.
وذلك يعني أن الطفولة والمراهقة إطاران حاسمان لإرساء العادات العاطفية التي ستحكم حياتنا..واخيرا يكشف الجزء الخامس من الكتاب ماهية المخاطر الـتـي تنتظر من يخفقون خلال سنوات وهم اقرب إلى سن النـضـج فـي الـسـيـطـرة، على عالم العواطف.. أي كيف تتزايد حدة المخاطرا لنفسية نتيجة لضعـف الذكاء العاطفي بداية من مرض الاكتئاب أو الحياة المليئة بالعـنـف وحـتـى إدمان المخدرات.
وتوقف الكاتب كثيرا امام كيفية تزايد حدة المخاطر النفسية نتيجة ضعـف ، الذكاء العاطفي، بداية من مرض الاكتئاب أو الحياة المليئة بالعـنـف وحـتـى،إدمان المخدرات. حيث أوضح هذا الجزء من الكتاب بالوثائق كيف تعلم المدارس الرائدة الأطفال المهارات العاطفية والاجتماعية التي تضعهـم عـلـى طـريـق الحياة السليمة.
وجاء أكثر أجزاء هذا الكتاب إثارة للقلق ذلك المـسـح الـبـحـثـي الذي أجري على عدد ضخم من الآباء والمعلمين الذي كـشـف عـن اتجـاه، سائد في صفوف أطفال الجيل الحالي في العالم كله يتمثل في كونهم أكثر اضطرابا عاطفيا من الجيل السابق.
بل وأكثر إحساسا بالوحدة وأكثر اكتئابا، وأكثر غضبا وجموحا وأكثر عصبية وقلقا وأكثر اندفاعا وعدوانية، وإذا كان ثمة علاج فإنني أتصور أنه سيكمن بالضرورة في الكيفية التي، نعد بها صغارنا لمواجهة الحياة. ونحن نترك أمر التعليم العاطفي لأطفالنا.
في الوقت الحاضر لعامل المصادفة وهو مـا يـتـرتـب عـلـيـه نـتـائـج وخـيـمـة، بصورة متزايدة.. ومن ثم فلابد من نظرة جديدة للدور الواجب على المدرسة أن تضطلع به من أجل تعليم طلابها بحيث يجمع التعليم فيها بين ثقافتي العقل والقلب.
وأخيرا سوف تنتهي رحلتنا معا بزيارات لفصول تعليم ابتكارية، تسعى إلى أن توفر للأطفال خلفية معرفية لأسس الذكاء العاطفي. وبإمكان الكاتب ان يتنبأ بيوم يصبح فيه التعليم متضمنا بصورة روتينية مناهج لغرس قدرات التعاطف مع الآخرين، وضبط النفس والوعي الذاتي وفن الاستماع وحل الصراعات والتعاون البناء بين افراد المجتمع.
اشار المؤلف الي كتاب الفيلسوف اليوناني ارسطو الفلسفي.. الأخلاق إلى نيقوماخوس..الذي تناول فيه الفضيلة والشخصية والحياة الطيبة، التي تمثل التحدي الرئيسي فـي دعـوتـه إلى إدارة حياتنا العاطفية بذكاء فعواطفنا إذا مورست ممارسـة جـيـدة ستحوز الحكمة; وعواطفنا هي التي تقود تفكيرنا وقيمنا وبقاءنا.
غير أنها يمكن أن تخفق بسهولة وهذا ما يحدث كثيرا ، فالمشكلة عند ارسطو ليست في الحالة العاطفية ذاتها ولكن في سلامة هذه العـاطـفـة وكـيـفـيـة التعبير عنها. ومن ثم فالسؤال هو: كيف نسبغ الذكاء على عواطفنا والتحضر على شوارعنا والاهتمام والتعاطف على حياتنا المجتمعية؟
حقوق النشر والتأليف:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت خصيصاً لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا نشراً لمحتوى الكتاب أو بديلاً عنه بأي حال من الأحوال.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة تماماً لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح دائماً بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملاً ومستفاداً من تفاصيله.
البطاقة التعريفية
تأليف:دانييل جولمان
ترجمة ليلي الجبالي
مراجعة محمد يونس
رقم الايداع: 9990600473
ردمك 9990600473
دار النشرك سلسلة عالم المعرفة الكويتية ورقم العدد (262)







