لماذا نشعر أننا متأخرون دائمًا؟

منذ أن كنا أطفالًا، ونحن نتعلم المقارنة دون أن نشعر. نقارن درجاتنا بدرجات زملائنا، ونجاحنا بنجاح إخوتنا، ثم نكبر قليلًا فتتغير الأشياء التي نقارنها، لكن تظل الفكرة نفسها. فلان اشترى سيارة، وفلان سافر، وفلان بدأ مشروعًا، وفلان حصل على ترقية، وفلان أصبح مشهورًا. ومع الوقت، يتحول السؤال من «ماذا أريد أن أحقق؟» إلى سؤال أكثر قسوة: «لماذا أنا لست مثلهم؟». وهنا تحديدًا تبدأ المقارنة في التحول من وسيلة للتعلم إلى عبء يضغط على الإنسان ويجعله يرى نفسه دائمًا متأخرًا عن الآخرين.

المقارنة في حد ذاتها ليست شيئًا سيئًا. بالعكس، قد تكون واحدة من الأدوات التي تدفع الإنسان إلى التطور عندما ينظر إلى تجربة شخص ناجح ويحاول أن يفهم كيف وصل، وما الذي يمكن أن يتعلمه منه. المشكلة ليست في أن ترى نجاح الآخرين، وإنما في الطريقة التي تفسر بها هذا النجاح. هناك فرق كبير بين أن تقول: «هو استطاع، إذن يمكنني أن أتعلم منه»، وبين أن تقول: «هو استطاع، إذن أنا فاشل». الجملة الأولى تفتح أمامك طريقًا، أما الثانية فتغلقه قبل أن تبدأ.

والأخطر أن الإنسان غالبًا لا يقارن حياته الحقيقية بحياة الآخرين الحقيقية، بل يقارنها بالصورة التي يختار الآخرون عرضها. وهذا أصبح أكثر وضوحًا مع مواقع التواصل الاجتماعي. أنت تفتح هاتفك في دقائق معدودة، فتجد شخصًا يحتفل بنجاحه، وآخر يعرض رحلة جديدة، وثالثًا يتحدث عن مشروعه، ورابعًا يحتفل بإنجاز وصل إليه بعد سنوات من المحاولات. ثم تنظر إلى يومك العادي، بكل مشاكله وتفاصيله، فتشعر فجأة أنك لم تفعل شيئًا. المشكلة أن الصورة التي شاهدتها كانت لحظة واحدة من حياة شخص آخر، بينما أنت تقارنها بكل تفاصيل حياتك.

نحن لا نرى الساعات الطويلة التي قضاها ذلك الشخص في العمل، ولا نعرف عدد المرات التي فشل فيها، ولا نعرف ماذا خسر حتى يصل إلى ما وصل إليه. قد ترى صاحب مشروع ناجحًا، لكنك لا ترى السنوات التي عاشها وهو يحاول أن يبقي مشروعه قائمًا. وقد ترى شخصًا وصل إلى منصب كبير، لكنك لا تعرف كم مرة رُفض قبل أن يحصل على فرصته. وقد ترى إنسانًا يبدو سعيدًا طوال الوقت على الشاشة، بينما يحمل في حياته الخاصة أشياء لا يعرفها أحد. لذلك، فإن مقارنة بدايتك بمنتصف طريق شخص آخر ليست ظلمًا لنفسك فقط، بل هي مقارنة من الأساس غير عادلة.

هناك مشكلة أخرى أكثر خطورة، وهي أن المقارنة قد تجعل الإنسان مشغولًا بمتابعة نجاح الآخرين أكثر من انشغاله بصناعة نجاحه هو. يقضي وقتًا طويلًا في مشاهدة قصص الناجحين، وقراءة تجاربهم، وتحليل ما يفعلونه، ثم ينتهي اليوم دون أن ينجز خطوة واحدة في طريقه. يصبح مستهلكًا للنجاح بدلًا من أن يكون صانعًا له. والمفارقة أنك قد تقضي ساعتين في مشاهدة شخص يتحدث عن أهمية الانضباط، بينما أنت تؤجل المهمة التي كان من المفترض أن تبدأها منذ الصباح.

والحقيقة التي ننسى كثيرًا أن نتذكرها هي أن الحياة ليست سباقًا يبدأ فيه الجميع من خط واحد. الناس لا يولدون في الظروف نفسها، ولا يمتلكون الفرص نفسها، ولا يمرون بالتجارب نفسها. هناك من يبدأ مبكرًا، وهناك من يحتاج إلى سنوات حتى يكتشف الطريق الذي يناسبه. هناك شخص تتحسن حياته في العشرين، وآخر يجد نفسه الحقيقي في الثلاثين، وثالث يبدأ من جديد في الأربعين. فهل يعني ذلك أن أحدهم فشل لأنه لم يصل في التوقيت نفسه؟ بالطبع لا.

المشكلة أننا صنعنا لأنفسنا جدولًا زمنيًا وهميًا للنجاح. يجب أن أتخرج في هذا العمر، وأحصل على وظيفة في هذا العمر، وأتزوج في هذا العمر، وأمتلك بيتًا وسيارة ومشروعًا في عمر محدد. ثم عندما لا تسير الحياة وفق هذا الجدول، نبدأ في الشعور بأن هناك شيئًا خطأ فينا. بينما الحقيقة أن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة. لكل إنسان ظروفه، وقدراته، وأولوياته، وطريقه الذي لا يشبه بالضرورة طريق الآخرين.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس: «أين وصل الآخرون؟»، وإنما: «أين كنت أنا منذ عام؟». هل أصبحت أكثر خبرة؟ هل تعلمت شيئًا جديدًا؟ هل تغلبت على عادة كانت تعطلني؟ هل بدأت شيئًا كنت أخشاه؟ هل أصبحت أكثر قدرة على اتخاذ قراراتي؟ هل اقتربت خطوة واحدة من الشيء الذي أريده؟ هذه المقارنة مختلفة تمامًا، لأنها لا تضعك في سباق مع شخص آخر، وإنما تجعلك تقيس تقدمك أنت.

ويمكن للإنسان أن يستخدم نجاح الآخرين بطريقة صحية. عندما ترى شخصًا وصل إلى مكان تتمنى الوصول إليه، لا تنظر إليه باعتباره تهديدًا، بل باعتباره دليلًا على أن الطريق ممكن. اسأله كيف بدأ، وما الأخطاء التي ارتكبها، وما المهارات التي احتاج إليها. خذ منه ما يفيدك، واترك ما لا يناسب ظروفك. النجاح ليس قطعة واحدة يحصل عليها شخص فيحرم منها الآخرون. نجاح غيرك لا يقلل من فرصتك، تمامًا كما أن تأخر شخص آخر لا يضمن لك التقدم.

وفي النهاية، المقارنة لا تقتل النجاح بشكل مباشر، لكنها قد تقتل شيئًا أكثر أهمية في الطريق إليه: ثقتك في نفسك. عندما تقضي وقتك في قياس حياتك بحياة الآخرين، ستجد دائمًا شخصًا يبدو أفضل منك في شيء ما. سيظل هناك من يملك مالًا أكثر، أو شهرة أكبر، أو وظيفة أفضل، أو سيارة أحدث، أو حياة تبدو أجمل. وإذا جعلت هؤلاء معيارك، فلن تصل أبدًا إلى نقطة تشعر فيها أنك كافٍ.

لذلك، لا تجعل نجاح الآخرين دليلًا على فشلك. قد يكون نجاحهم مجرد تذكير بأن الوصول ممكن، وأن لكل واحد منا طريقًا مختلفًا. لا تحتاج أن تكون أسرع من الجميع، ولا أن تصل قبلهم، ولا أن تثبت أنك أفضل منهم. كل ما تحتاجه أن تعرف إلى أين تريد أن تذهب، ثم تتحرك في هذا الاتجاه بخطوات حقيقية.

فالمنافسة الحقيقية ليست مع الشخص الذي يقف بجوارك، وإنما مع النسخة التي كنت عليها بالأمس. وعندما تتوقف عن مقارنة حياتك بحياة الآخرين، تبدأ لأول مرة في اكتشاف قيمة الطريق الذي اخترته أنت.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *