تحليل: لمياء نبيل
حين تبحر في صفحات كتاب الحيوان الاجتماعي لعالم النفس البارز إليوت آرونسون فإنك تجد نفسك أمام مرآة صادقة تعكس بواطن النفس البشرية وترسم ببراعة ملامح سلوكياتنا اليومية داخل التجمعات البشرية إذ يؤكد الكاتب منذ البداية أن الإنسان ليس كائنا معزولا بل هو جزء لا يتجزأ من نسيج اجتماعي واسع تتشكل قناعاته وتتحدد ميوله وتتأثر اختياراته البسيطة والمعقدة بفعل البيئة المحيطة والتفاعلات المستمرة والثقافة السائدة ووسائل الإعلام المتنوعة التي تحيط بنا من كل جانب.
يتوغل آرونسون في ثنايا الدوافع الخفية التي تحركنا مشيرا إلى أن الشوق العارم للانتماء والبحث المستمر عن القبول والرضا من الآخرين يدفعنا أحيانا كثيرة إلى تعديل بوصلتنا الفكرية ومجاراة الجماعة حتى وإن كان في ذلك مجافاة للحقيقة خوفا من شبح العزلة ورهبة الرفض الاجتماعي وهو أمر يفسر كيف تذوب الهوية الفردية أحيانا في أتون الضغط الجماعي وتنساق وراء التيار دون تمحيص أو تدقيق كاف.
ويكشف العمل بأسلوب تحليلي دقيق عن الكيفية التي تخدعنا بها عقولنا من خلال إصدار أحكام متسرعة ومبنية على ظلال حقائق واهية أو صور نمطية مسبقة مما يوقعنا مرارا وتكرارا في فخ التحيز الأعمى وسوء التقدير المتواصل للآخرين وللمواقف التي نمر بها وهنا تبرز خطورة النظرة الأحادية التي تغفل تعقيدات الواقع وتكتفي بالقشور والمظاهر الخادعة.
ولا يغفل الكتاب تسليط الضوء على آليات الإقناع الناعمة وكيف تتسلل الكلمات المنسوجة بعناية ورسائل الإعلام الموجهة لتوجيه مواقفنا وصياغة آرائنا دون أن نشعر حتى بوجود هذا التأثير الخفي مما يجعلك تدرك هول السيطرة التي تمارسها قنوات التوجيه الفكري على وعينا الجمعي والفردي على حد سواء.
ويقف آرونسون مطولا عند واحد من أهم المفاهيم النفسية وهو مفهوم التنافر المعرفي ذلك الأرق النفسي العميق الذي يداهمنا حين تتصادم أفعالنا مع قناعاتنا الراسخة لنندفع سريعا نحو تبرير ما فعلناه بكل السبل الممكنة أو إعادة هندسة أفكارنا ومعتقداتنا فقط لنستعيد الطمأنينة المفقودة ونهرب من شعور تأنيب الضارب في أطناب الوعي، غير أن المؤلف لا يترك القارئ غارقا في بحر من الإحباط جراء كشف هذه العورات النفسية بل يقدم طوق نجاة حقيقي مؤكدا أن التعاطف الصادق والقدرة الفائقة على رؤية العالم بعيون الآخرين وتفهم دوافعهم هما مفتاحا الخلاص لبناء مجتمعات متناغمة وأقل تصادم وأكثر رحمة وتفاهم.
ويشدد آرونسون على أن إدراكنا الواعي لتحيزاتنا الشخصية يمنحنا حصانة نفسية وصلابة تفكيرية تخلصنا نهائيا من الانجراف الأعمى وتجعلنا قادرين على التمييز بين ما تؤمن به ذواتنا حقا وما يُفرض علينا خفية من الخارج عبر ضغوط المحيط والمجتمع.
ليصل بنا هذا السفر النفسي العظيم في خاتمته إلى حقيقة كبرى لا مفر منها مفادها أننا كائنات مجتمعية بطبيعتنا وأن فهمنا لسطوة الآخرين على وعينا لا يقل بحال من الأحوال أهمية عن سبر أغوار ذواتنا وفهم دواخلنا فكلما اتسعت دائرة وعينا بالمؤثرات المحيطة وامتلكنا ناصية التواصل الواعي والعميق تحصنا بامتياز ضد التأثيرات السلبية المدمرة ونجحنا في تأسيس روابط إنسانية حقيقية ومستدامة قوامها الأساسي الثقة المتبادلة والاحترام العميق لكل فرد في هذا المجتمع الواسع الذي ننتمي إليه جميعا.
ISBN-10: 1464144184
الناشر: Worth Publishers / Macmillan Learning
الطبعة: الثانية عشرة
سنة النشر: 2018
المؤلفان: إليوت آرونسون وجوشوا آرونسون.







