قراءة في كتاب «الثعابين في البدلات»

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة. هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وصياغة بشرية، تناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

الفكرة الرئيسية

يناقش الكتاب احتمال وجود أشخاص يحملون سمات سيكوباتية داخل عالم الشركات والمؤسسات، وكيف يمكن لبعضهم استغلال مهارات التواصل والإقناع والطموح للوصول إلى مواقع نفوذ.

لكن الكتاب لا يقول إن كل مدير ناجح أو شخص طموح يحمل هذه السمات. فالمشكلة التي يبحث فيها بول بابياك وروبرت هير تتعلق بنمط سلوكي محدد، وكيف يمكن أن تستفيد منه بعض البيئات التنظيمية بدلًا من اكتشاف مخاطره مبكرًا.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

جاء الكتاب من تقاطع خبرة بول بابياك في علم النفس التنظيمي مع أبحاث روبرت هير في مجال السيكوباتية.

ينقل المؤلفان النقاش من البيئة الإكلينيكية إلى مكان العمل. فبعض الأشخاص الذين يظهرون في المؤسسات قد يمتلكون قدرة على تقديم أنفسهم بصورة جذابة، والتعامل مع الآخرين، وبناء العلاقات التي تخدم أهدافهم.

المشكلة تبدأ عندما تستخدم هذه المهارات للتلاعب بالآخرين وتحقيق مكاسب شخصية على حساب المؤسسة والفريق.

أهم الأفكار في الكتاب

يركز المؤلفان على أن الخطر لا يكمن دائمًا في الشخص الذي يبدو عدوانيًا أو منفصلًا عن الآخرين. بعض الشخصيات التي يصفها الكتاب قد تبدو واثقة، اجتماعية، قادرة على الحديث وإقناع الآخرين.

هذه الصورة قد تجعل اكتشاف المشكلة أصعب.

في بيئة الشركات، يمكن للشخص الذي يجيد إدارة الانطباع أن يقدم نفسه باعتباره قائدًا محتملًا، حتى إذا كانت لديه مشكلات في تحمل المسؤولية أو التعاطف أو الالتزام بالآخرين.

وهنا تظهر إحدى الأفكار المهمة في الكتاب. بعض المؤسسات تكافئ مهارات معينة دون أن تفحص الثمن الذي قد تدفعه لاحقًا.

القدرة على الإقناع مهمة للمدير، لكن الإقناع وحده لا يصنع قيادة.

الطموح قد يساعد الموظف على التقدم، لكنه لا يضمن أن أهدافه تتوافق مع مصلحة المؤسسة.

والثقة بالنفس قد تكون عنصرًا إيجابيًا، لكنها لا تعني بالضرورة القدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة.

يربط المؤلفان هذه النقطة بما يسميانه عملية صعود الشخص داخل المؤسسة. يبدأ الأمر غالبًا بتكوين انطباع إيجابي، ثم بناء شبكة من العلاقات، ثم استخدام هذه العلاقات في الوصول إلى مواقع تمنحه نفوذًا أكبر.

المشكلة أن المؤسسة قد تكتشف الخلل بعد أن يصبح الشخص جزءًا من بنية السلطة.

وهنا يناقش الكتاب أهمية التلاعب. الشخص الذي يمتلك مهارات اجتماعية عالية قد يعرف كيف يتعامل مع كل فرد بطريقة مختلفة. يمكنه تقديم نفسه للمدير بصورة، وللزميل بصورة أخرى، وللموظف التابع بصورة ثالثة.

بهذه الطريقة تصبح العلاقات وسيلة لإدارة الصورة الشخصية أكثر من كونها علاقات مهنية قائمة على الثقة.

ويطرح الكتاب نموذجًا يشرح كيف يمكن لهذه الشخصية أن تنتقل داخل المؤسسة من مرحلة إلى أخرى. تبدأ بجذب الانتباه، ثم بناء شبكة من المؤيدين، ثم الاستفادة من نقاط ضعف الآخرين، ثم التخلص من العقبات التي تقف أمامها.

هذه العملية تجعل المؤسسة جزءًا من المشكلة إذا لم تكن لديها آليات تحقق حقيقية.

ومن أخطر النقاط التي يثيرها الكتاب أن الترقية قد تعتمد على الانطباع أكثر من الأدلة. الشخص الذي يتحدث بثقة قد يبدو أكثر قدرة من شخص يعمل بهدوء. والشخص الذي يعرف كيف يقدم إنجازاته قد يحصل على تقدير أكبر من موظف ينجز العمل دون تسويق نفسه.

لذلك فإن أنظمة التقييم الضعيفة يمكن أن تمنح مساحة للشخصية المتلاعبة.

ويشير الكتاب أيضًا إلى أهمية “القناع”. المقصود ليس أن الشخص يخفي نفسه طوال الوقت، بل أن لديه قدرة على تقديم الصورة التي يحتاج إليها في الموقف المناسب.

وهذا يفسر لماذا قد تختلف شهادات الزملاء حول الشخص نفسه. فبعضهم قد يراه قائدًا ناجحًا، بينما يراه آخرون شخصًا يستغلهم.

ويزداد الخطر عندما تصبح المؤسسة معتمدة على فرد واحد. إذا حصل شخص على نفوذ كبير وأصبح يمتلك معلومات وعلاقات وقرارات لا يستطيع الآخرون الوصول إليها، فإن قدرته على التأثير تتجاوز وظيفته الرسمية.

ومن هنا يبرز دور أنظمة الرقابة.

المؤسسة التي تعتمد على الانطباع الشخصي في التوظيف والترقية تكون أكثر عرضة للأخطاء. أما المؤسسة التي تستخدم أكثر من مصدر للمعلومات، وتراجع النتائج، وتفحص السلوك القيادي، فتملك فرصة أفضل لاكتشاف المشكلات.

لكن الكتاب لا يضع المسؤولية كلها على الإدارة. الموظفون أنفسهم قد ينجذبون إلى الشخص الذي يقدم وعودًا بالنجاح أو يمنحهم شعورًا بالاهتمام، ثم يكتشفون لاحقًا أنهم أصبحوا جزءًا من شبكة مصالح.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة. الشخص الذي يملك قدرة على قراءة الآخرين قد يستخدم هذه القدرة لبناء الثقة، ثم يستخدم الثقة لتحقيق أهدافه.

لهذا فإن السؤال المهني لا ينبغي أن يكون هل هذا الشخص محبوب؟ بل هل سلوكه متسق مع مصالح المؤسسة ومعاييرها؟

ويقدم الكتاب في خلفية هذا النقاش تحذيرًا من الخلط بين القيادة والسيطرة. القائد يحتاج إلى التأثير، لكن التأثير لا يعني التلاعب.

والمدير الناجح يستطيع بناء فريق يعتمد على الثقة والمساءلة، بينما قد يبني الشخص المتلاعب شبكة تعتمد على الخوف والمصلحة الشخصية.

هذه الفكرة تجعل الكتاب أكثر من دراسة عن شخصية معينة. إنه أيضًا بحث في نقاط الضعف داخل المؤسسات التي تسمح لبعض السلوكيات بالاستمرار.

خلاصة الكتاب في نقاط

  1. بعض الأشخاص قد يمتلكون سمات سيكوباتية دون أن يظهروا بالصورة النمطية التي يتوقعها الناس.
  2. القدرة على الإقناع وبناء العلاقات قد تخفي مشكلات في التعاطف والمسؤولية.
  3. المؤسسات التي تعتمد على الانطباع في التوظيف والترقية قد تكون أكثر عرضة لسوء الاختيار.
  4. الشخص المتلاعب قد يبني شبكة علاقات يستخدمها للوصول إلى النفوذ.
  5. النجاح المهني لا يعني بالضرورة امتلاك صفات القيادة.
  6. أنظمة الرقابة والتقييم المتعدد تقلل فرص استغلال السلطة.
  7. المشكلة لا ترتبط بالشخص وحده، بل بالبيئة التي تسمح للسلوك بالاستمرار.
  8. التمييز بين الحزم والعدوان، وبين القيادة والتلاعب، ضروري لفهم السلوك داخل المؤسسات.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المديرين ومسؤولي الموارد البشرية وقادة فرق العمل والباحثين في السلوك التنظيمي.

كما يفيد الموظفين الذين يريدون فهم بعض أنماط السلوك التي قد تظهر داخل المؤسسات، خصوصًا عندما يشعرون أن هناك فجوة بين الصورة التي يقدمها أحد المسؤولين وبين طريقة تعامله الفعلية مع الآخرين.

ويهم الكتاب أيضًا المهتمين بعلم النفس الجنائي والتنظيمي، لأنه يحاول نقل مفهوم نفسي إلى بيئة الشركات والمؤسسات.

نقاط القوة

من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يلفت الانتباه إلى مشكلة قد يصعب اكتشافها بسبب طبيعتها. فالشخص الذي يمتلك مهارات اجتماعية وقدرة على إدارة الانطباع قد لا يثير الشكوك التي يثيرها الشخص العدواني منذ البداية.

كما أن الجمع بين خبرة بابياك في علم النفس التنظيمي وأبحاث هير حول السيكوباتية يمنح الكتاب زاوية مختلفة في دراسة السلوك داخل المؤسسات.

وتكمن قيمة الكتاب أيضًا في أنه لا يكتفي بالحديث عن الشخصية، بل يربطها بالبيئة التنظيمية. فالمؤسسة التي تضع أنظمة توظيف وترقية ضعيفة قد تساعد على وصول الشخص غير المناسب إلى موقع يمنحه نفوذًا أكبر.

كما يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا حول معايير النجاح المهني. هل نكافئ النتائج فقط، أم نفحص الطريقة التي تحققت بها هذه النتائج؟

نقاط تجاهلها الكتاب

من الجوانب التي يمكن مناقشتها أن مفهوم “السيكوباتية” مفهوم نفسي معقد، ولا ينبغي استخدامه لوصف أي مدير صعب أو موظف انتهازي.

كما أن بعض السلوكيات التي تبدو تلاعبية قد تنتج عن أسباب أخرى، مثل المنافسة المهنية، أو ضعف المهارات القيادية، أو ضغوط العمل.

وهنا تظهر أهمية عدم تحويل الكتاب إلى أداة لتشخيص الزملاء. التشخيص النفسي يحتاج إلى متخصصين وأدوات تقييم مناسبة، وليس إلى ملاحظة سلوك واحد داخل المكتب.

كما أن التركيز على الشخص قد يجعلنا نتجاهل بعض المشكلات الهيكلية. المؤسسة التي تكافئ العدوان والمنافسة الداخلية قد تنتج سلوكيات مؤذية حتى من أشخاص لا يحملون سمات سيكوباتية.

ملاحظات يمكن مناقشتها

أهم الأسئلة التي يطرحها الكتاب تتعلق بطريقة اختيار القادة.

لماذا تنجح بعض الشخصيات في الوصول إلى مواقع السلطة رغم أن سلوكها يسبب مشكلات للفريق؟

قد يكون أحد الأسباب أن المؤسسات تقيس ما يسهل قياسه. الإيرادات، والمبيعات، وعدد المشروعات، وسرعة الإنجاز، كلها أرقام واضحة.

أما الثقة داخل الفريق، ونوعية العلاقات، واستعداد الموظفين للتعبير عن آرائهم، فهي أصعب في القياس.

لكن تجاهل هذه الجوانب قد يكون مكلفًا.

يمكن لمدير أن يحقق نتائج خلال عام، ثم يترك خلفه فريقًا منهكًا ومجموعة من الموظفين الذين يبحثون عن فرص أخرى.

ولهذا فإن تقييم القيادة يحتاج إلى النظر في الأثر طويل المدى، وليس النتائج القصيرة فقط.

ويطرح الكتاب أيضًا سؤالًا عن المقابلات الوظيفية. إذا كان الشخص يجيد تقديم نفسه وإدارة الانطباع، فهل تكفي المقابلة التقليدية لاكتشاف قدراته الحقيقية؟

غالبًا لا.

تحتاج المؤسسات إلى أكثر من مقابلة، وأكثر من مصدر للمعلومات، وربما إلى التحقق من السجل المهني والسلوك القيادي السابق، مع وضع معايير واضحة للوظيفة.

ومن النقاط المهمة أيضًا الفصل بين الكاريزما والقيادة.

قد يكون الشخص قادرًا على جذب الانتباه والتحدث بثقة، لكن القيادة تحتاج إلى أكثر من ذلك. تحتاج إلى تحمل المسؤولية، والاستماع، وإدارة الخلاف، واتخاذ القرار، وبناء الثقة.

وهنا يمكن أن يصبح الكتاب مفيدًا في قراءة المؤسسات الإعلامية والشركات وغيرها. فالشخص الذي ينجح في تقديم نفسه أمام الإدارة قد لا يكون هو الشخص الذي يحقق أفضل نتائج للفريق.

وقد يكون الموظف الهادئ أقل قدرة على التسويق لنفسه، لكنه أكثر التزامًا بالعمل وأكثر قدرة على بناء علاقات مهنية مستقرة.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية. وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: Snakes in Suits: When Psychopaths Go to Work

المؤلفان: Paul Babiak وRobert D. Hare

دار النشر: ReganBooks

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2006

عدد الصفحات: 336 صفحة تقريبًا

رقم الإيداع:

ISBN: 9780060837723

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *