مستقبل اليورو وسياسة الديون
مارتن ساندبو
تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرًا في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
ما يتناوله الكتاب
تخيل عملة واحدة تجمع دولًا كثيرة لكل دولة تاريخها واقتصادها وشعبها وحكومتها وديونها ثم اسأل ماذا يحدث عندما تتعرض هذه المنظومة لأكبر أزمة مالية منذ عقود هنا تبدأ الحكاية التي يحاول مارتن ساندبو تفكيكها فالأزمة الأوروبية لم تكن مجرد مشكلة أرقام في دفاتر الحكومات ولم تكن حكاية دول فقيرة اقترضت أكثر مما تستطيع دفعه كما جرى تصويرها أحيانًا بل كانت نتيجة شبكة شديدة التعقيد من القرارات السياسية والأخطاء الاقتصادية والمصالح المالية والخوف من الاعتراف بالخسائر
اليورو ظهر باعتباره أكثر من مجرد عملة جديدة فقد حمل فكرة سياسية ضخمة تتعلق بتقريب أوروبا من بعضها وتحويل المصالح المشتركة إلى رابط يصعب تفكيكه لكن نجاح العملة الموحدة احتاج إلى شروط اقتصادية وسياسية لم تكن مكتملة بالشكل الكافي وحين جاءت الأزمة المالية العالمية ظهرت نقاط الضعف التي كانت مختبئة خلف سنوات النمو والائتمان السهل
ساندبو يرفض الفكرة البسيطة التي تحمل اليورو وحده مسؤولية الكارثة ويعيد توجيه النظر نحو الطريقة التي تعاملت بها الحكومات والمؤسسات المالية مع الأزمة فالمشكلة لم تكن وجود العملة الموحدة بقدر ما كانت في قواعد النظام الاقتصادي والسياسات التي اتبعت بعد انفجار الأزمة وفي الطريقة التي تم بها توزيع الخسائر بين المدينين والدائنين
اليونان تصبح واحدة من أهم محطات الحكاية لأنها كشفت حجم التوتر بين الاقتصاد والسياسة فالدين العام المرتفع لم يكن مجرد رقم وإنما تحول إلى أداة ضغط سياسي ومع كل جولة من برامج الإنقاذ كانت أوروبا تحاول حماية النظام المالي وفي الوقت نفسه تفرض إجراءات تقشف قاسية على المجتمعات المتأزمة وهنا يطرح ساندبو سؤالًا مزعجًا هل يمكن لإنقاذ الاقتصاد أن يتحول إلى وسيلة تزيد الأزمة عمقًا
إيرلندا تقدم صورة مختلفة لكنها لا تقل أهمية فالأزمة لم تكن في البداية أزمة ديون حكومية بالمعنى التقليدي بل ارتبطت بانهيار القطاع المصرفي ثم انتقلت الخسائر إلى الدولة والمجتمع وهنا تظهر فكرة جوهرية وهي أن الدين الخاص يمكن أن يتحول بسرعة إلى مشكلة عامة عندما تصبح الحكومات مسؤولة عن إنقاذ مؤسسات مالية ضخمة
إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وغيرها تكشف جوانب أخرى من الأزمة وتوضح أن منطقة اليورو لم تكن كتلة واحدة متشابهة فكل اقتصاد دخل الأزمة بتركيبة مختلفة وبعض الدول عانت من انهيار العقارات وبعضها من ضعف البنوك وبعضها من ارتفاع الديون وبعضها من ضعف الطلب والاستثمار ومع ذلك جرى التعامل مع مشكلات مختلفة أحيانًا باستخدام أدوات متشابهة
أخطر ما يراه ساندبو كان التعامل مع الديون وكأن سدادها الكامل هو الهدف الوحيد مهما كانت النتائج الاقتصادية والسياسية فإعادة هيكلة الدين يمكن أن تكون في بعض الظروف أكثر عقلانية من إطالة الأزمة عبر قروض جديدة تستخدم لسداد القروض القديمة ولذلك يدافع الكتاب عن فكرة شطب جزء من الديون أو إعادة تنظيمها بصورة منظمة بدل ترك الاقتصاد ينزف لسنوات طويلة
التقشف يحتل مساحة كبيرة من الحجة لأن خفض الإنفاق في اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الطلب قد يؤدي إلى نتائج عكسية فالحكومة تقلل الإنفاق والشركات تخفض الاستثمار والمواطنون يقللون الاستهلاك فتتراجع الإيرادات الضريبية ويصبح تحقيق أهداف خفض الدين أكثر صعوبة وهكذا يمكن أن يتحول العلاج نفسه إلى جزء من المرض
المشكلة الأوروبية لم تكن اقتصادية فقط لأن كل قرار مالي كان يحمل تكلفة سياسية فحين يشعر المواطن أن المؤسسات الأوروبية تفرض عليه سياسات لا يستطيع التأثير فيها تظهر مشاعر الغضب وتزداد شعبية التيارات الرافضة للاتحاد الأوروبي وتتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة في الديمقراطية والمؤسسات
ساندبو لا يدافع عن اليورو باعتباره مشروعًا كاملًا بلا أخطاء بل يحاول إنقاذ الفكرة من الطريقة التي أسيء بها إدارتها فالعملة الموحدة تستطيع الاستمرار إذا حصلت الدول الأعضاء على مساحة أكبر لإدارة اقتصاداتها خلال الأزمات وإذا وجدت قواعد واضحة لإعادة هيكلة الديون وإذا أصبحت السياسة المالية أكثر قدرة على التعامل مع الركود بدل الاعتماد على التقشف باعتباره الحل الوحيد
بريطانيا تظهر في الجزء الأخير من القصة باعتبارها حالة مختلفة لأنها لم تكن عضوًا في منطقة اليورو ومع ذلك ظلت متأثرة بالصراع حول مستقبل أوروبا ثم جاء قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي ليكشف أن أزمة القارة لم تعد مجرد أزمة عملة أو ديون بل أصبحت أزمة تصور كامل حول معنى الوحدة الأوروبية وحدود السيادة الوطنية
الدرس الأكبر الذي يخرج به الكتاب أن المؤسسات الاقتصادية لا تعيش بعيدًا عن السياسة وأن العملة ليست مجرد أوراق ونقود وأسعار صرف بل عقد سياسي بين مجتمعات مختلفة وعندما تتعرض هذه المجتمعات لأزمة ضخمة فإن طريقة توزيع الخسائر تصبح أهم أحيانًا من حجم الخسائر نفسها
أوروبا لم تكن بحاجة فقط إلى أموال جديدة حتى تخرج من أزمتها بل كانت بحاجة إلى شجاعة سياسية للاعتراف بالأخطاء وإعادة توزيع المخاطر بطريقة أكثر عدلًا ومنح الاقتصادات المتعثرة فرصة للنمو بدل إبقائها داخل دائرة الدين والتقشف
وهنا تصبح قصة اليورو أكبر من قصة عملة نجت من أزمة مالية فهي قصة تجربة سياسية ضخمة حاولت أن تجعل دولًا مختلفة تتحرك داخل نظام واحد ثم اكتشفت أن الوحدة الحقيقية لا تتحقق بمجرد توحيد العملة وإنما تحتاج إلى قواعد عادلة ومؤسسات مرنة وقدرة على تحمل الأزمات دون أن يشعر جزء من القارة أنه يدفع ثمن أخطاء الجزء الآخر
القيمة الحقيقية لهذا الكتاب أنه يجعلك تنظر إلى الدين بطريقة مختلفة فلا يصبح السؤال كم تبلغ الديون فقط بل من يملكها ومن سيتحمل خسائرها وماذا سيحدث للنمو إذا أصر الجميع على تحصيل كل شيء وماذا يحدث للديمقراطية عندما تتحول الحسابات الاقتصادية إلى أوامر سياسية وأسئلة كهذه تجعل مستقبل أوروبا مرتبطًا بقدرتها على اكتشاف أن الاقتصاد لا يعمل بالآلات الحاسبة وحدها وأن بعض الأرقام عندما تتحول إلى قرارات تمس حياة ملايين البشر تصبح في حقيقتها أسئلة عن العدالة والقوة ومستقبل المجتمع نفسه
بطاقة تعريفية
العنوان أوروبا يتيمة مستقبل اليورو وسياسة الديون
المؤلف مارتن ساندبو
دار النشر Princeton University Press
بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الطبعة الجديدة المنقحة
سنة النشر 2017
عدد الصفحات 336 صفحة
رقم الإيداع Library of Congress Control Number 2016963400
ISBN 9780691175942
الطبعة الجديدة صدرت عن Princeton University Press عام 2017 وتضمنت معالجة للآثار الاقتصادية والسياسية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بينما تعود حقوق العمل الأصلي إلى عام 2015







