كتاب استمتع بحياتك .. استثمار حقيقي في علاقاتنا اليومية مع العائلة والأصدقاء

تحليل: لمياء نبيل

ينطلق كتاب استمتع بحياتك للكاتب محمد العريفي من قاعدة أساسية مفادها أن السعادة الحقيقية وراحة البال لا تقاس بالثروات الطائلة ولا ترتبط بالمناصب الرفيعة وإنما تنبع من الداخل ومن قدرة الإنسان على فهم نفسه وإدارة علاقاته بمن حوله بسكينة وسلام ويقدم المؤلف عصارة تجاربه ومشاهداته اليومية طيلة سنوات طويلة ليصوغ دستورا عمليا لفن التعامل مع البشر ممتزجا بقواعد الدين الحنيف والخبرة الإنسانية الواسعة ليكون بمثابة مرشد لكل باحث عن الهدوء النفسي والأثر الطيب في بيئته ومجتمعه.

يبين الكاتب بأسلوب سلس وقريب من القلوب أن كسب مودة الآخرين لا يتطلب معجزات خارقة بل يعتمد على تفاصيل صغيرة وبسيطة يغفل عنها كثيرون فالابتسامة الصادقة والكلمة الطيبة والمصافحة الدافئة مفاتيح مغناطيسية تجذب القلوب وتذيب الجليد بين النفوس وهي ليست مجرد أخلاق رفيعة نتزين بها فحسب بل هي وزملاء العمل والناس أجمعين.

يعرج المؤلف على مهارة بالغة الأهمية وهي فن الإنصات حيث يؤكد أن الشخص المؤثر والذكي حقا هو من يتقن الاستماع للآخرين أكثر من رغبته العارمة في الحديث وإبداء الرأي فالناس بطبيعتهم يميلون لمن يمنحهم مساحة كافية للتعبير عن ذواتهم ومشاعرهم وهمومهم دون مقاطعة أو استعجال للحكم عليهم وحين تشعر من تحدثه بأنك منصت له بقلبك وعقلك فإنك تكسبه سريعا وتفتح أمامه أبواب الثقة المتبادلة.

يتطرق الكتاب أيضا إلى كيفية التعامل مع الشخصيات الصعبة والمزاجية التي قد تقابلنا في مسيرة الحياة اليومية وهنا يدعو الكاتب إلى التحلي بالصبر والمرونة وضبط النفس والابتعاد عن العصبية وردود الأفعال المتهورة التي غالبا ما تأتي بنتيجة عكسية فالعاقل هو من يمتلك زمام أمره ويتحكم في غضبه ولا ينجر خلف الاستفزازات بل يمتص الغضب بالحلم والصفح الجميل مما يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح ويحافظ على الود المستدام.

وفي سياق متصل يناقش الكتاب فن النصيحة والتوجيه مبينا أن الموعظة الحسنة لا تؤتي أكلها إلا إذا كانت سرا وبلطف ودون إحراج للمخطئ فالنصيحة العلنية فضيحة وليست هداية والأسلوب الهادئ الحكيم كفיל بلين أشد القلوب قسوة وجعل الطرف الآخر يتقبل الخطأ ويبحث عن تصحيحه من تلقاء نفسه دون عناد أو مكابرة.

لا يغفل الكتاب الجانب الروحي والنفسي في تجاوز المحن والعثرات حيث يغرس في نفس القارئ روح التفاؤل والأمل بغد أفضل فالحياة مليئة بالتحديات والمواقف المؤلمة ولكن العاقل هو من يتعلم من دروب الماضي ولا يجعل الهموم والأحزان تثقل كاهله بل يتجاوزها بعزم وقوة متوكل على الله جل وعلا وواثق بأن مع العسر يسرا.

يعتمد المؤلف في طرحه على سرد العديد من القصص والمواقف الواقعية المستمدة من السيرة النبوية العطرة ومن تراثنا الإسلامي ومن الحياة المعاصرة وهي قصص حية تجسد المعاني النظرية في قالب عملي ملموس يجعل القارئ يعيش الحدث ويتأثر به وينقل تلك الأفكار بسلاسة إلى واقعه العملي واليومى لتتغير نظرته تدريجيا نحو الأشخاص والأحداث من حوله.

في الختام يخلص الكاتب إلى حقيقة جوهرية وهي أن التأثير الإيجابي في الوسط المحيط لا يتحقق بفرض السيطرة ولا بقوة السلطة أو ارتفاع الصوت بل يبدأ من إصلاح الذات أولا وتطهير القلب من الحقد والغل وحسن الظن بالآخرين فبناء الشخصية السوية هو رحلة مستمرة تتطلب مجاهدة ومراس والتزاما بالتواضع والين والرفق في كل الأمور لتكون النتيجة حياة هادئة وممتعة مليئة بالحب والقبول ورضا الرحمن عز وجل.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *