قراءة في كتاب «بيئة العمل السامة»

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة. هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وصياغة بشرية، تناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

الفكرة الرئيسية

يناقش ميتشل كوزي وإليزابيث هولواي ظاهرة الأشخاص الذين يحولون بيئة العمل إلى مساحة تستنزف العاملين وتؤثر في أداء الفرق والمؤسسات.

لكن الكتاب لا يكتفي بوصف الشخص السام. ففكرته الأهم أن السلوك السام لا يعيش في فراغ. قد تساعد الثقافة التنظيمية، ونظام السلطة، وضعف الرقابة، وطريقة تعامل القادة مع المشكلات على استمرار هذا السلوك وانتشاره.

ولهذا فإن التخلص من شخص واحد لا يعني بالضرورة انتهاء السمية. إذا بقي النظام الذي سمح لها بالنمو، يمكن أن تظهر من جديد.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

جاء الكتاب نتيجة بحث امتد عامين وشمل أكثر من 400 قائد، وكان الهدف فهم كيفية ظهور السلوكيات السامة داخل المؤسسات، وكيف تتعامل القيادات معها، ولماذا تفشل بعض الاستجابات في إيقافها.

ينطلق المؤلفان من مشكلة يواجهها كثير من العاملين. قد يكون هناك شخص يسبب الخلافات، أو يهين زملاءه، أو يستخدم السلطة بطريقة مؤذية، أو يعطل العمل الجماعي، ومع ذلك تستمر المؤسسة في التعامل معه كما لو أن المشكلة فردية يمكن تجاهلها.

الكتاب يحاول نقل النقاش من سؤال “من هو الشخص السيئ؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا، وهو “ما الذي سمح لهذا السلوك بالاستمرار؟”

أهم الأفكار في الكتاب

يرى المؤلفان أن السلوك السام يمكن أن يظهر في صور متعددة. بعضها واضح، مثل الإهانة أو التخويف أو إساءة استخدام السلطة، وبعضها يأخذ شكلًا أقل وضوحًا، مثل العدوان السلبي، وحجب المعلومات، والتدخل المستمر في عمل الآخرين، أو تخريب العمل الجماعي.

وتكمن المشكلة في أن بعض هذه التصرفات قد تبدو منفردة وغير كافية لإثبات وجود مشكلة كبيرة. لكن تكرارها يجعل أثرها يتراكم داخل الفريق.

ولهذا يركز الكتاب على السلوك وليس على إطلاق أوصاف نفسية على الأشخاص. السؤال العملي ليس ما التشخيص الذي يمكن إطلاقه على الموظف، وإنما ماذا يفعل؟ وكيف يؤثر سلوكه في الآخرين؟ وهل يتكرر السلوك؟ وكيف تتعامل المؤسسة معه؟

هذه النقطة مهمة لأنها تمنع تحويل الكتاب إلى دليل لتصنيف الزملاء. فقد يكون الموظف صعب التعامل في موقف معين دون أن يكون صاحب سلوك سام مستمر.

ويعرض الكتاب ثلاثة أنماط من السلوكيات السامة التي يمكن أن تدفع العاملين إلى الإنهاك. من بينها سلوكيات الإذلال، والعدوان السلبي، وتخريب الفريق.

الإذلال قد يظهر في الانتقاد أمام الآخرين أو التقليل من قيمة الزميل أو استخدام الخطأ لإضعاف مكانته.

أما العدوان السلبي فيظهر عندما يرفض الشخص المواجهة المباشرة لكنه يستخدم التأخير أو المماطلة أو حجب التعاون للتعبير عن موقفه.

ويصبح تخريب الفريق أكثر خطورة عندما يبدأ الشخص في مراقبة زملائه، أو التدخل في أعمالهم، أو استخدام سلطته لتعطيل التعاون.

لكن المؤلفين يضيفان نقطة أكثر أهمية. الشخص السام لا يعمل وحده دائمًا. فقد يحتاج إلى بيئة تسمح له بذلك.

إذا كان المدير يتجاهل الشكاوى، أو يخشى مواجهة الموظف، أو يكافئ النتائج دون النظر إلى طريقة تحقيقها، فقد تتعلم المؤسسة أن النتائج تبرر السلوك.

هنا تتحول المشكلة من شخص إلى نظام.

ويشرح الكتاب كيف يمكن للسمية أن تنتشر داخل المؤسسة. الموظف الذي يتعرض باستمرار للعدوان قد يبدأ في التعامل مع زملائه بالطريقة نفسها. والفريق الذي يفقد الثقة قد يتحول إلى مجموعة من الأفراد يحاول كل واحد منهم حماية نفسه.

ومع الوقت تتغير المعايير. ما كان يعتبر سلوكًا غير مقبول يصبح عاديًا.

وهذه إحدى أخطر مراحل البيئة السامة. عندما يتوقف العاملون عن الاستغراب.

وتظهر التكلفة على أكثر من مستوى. هناك تكلفة مباشرة ترتبط بتراجع الإنتاجية وزيادة الصراعات والوقت الذي يضيع في التعامل مع المشكلات. وهناك تكلفة أخرى أقل وضوحًا، تتمثل في فقدان الثقة وانخفاض التعاون ورغبة الموظفين في مغادرة المؤسسة.

لذلك لا يرى المؤلفان أن التعامل مع السمية مهمة فردية تقع على الموظف المتضرر فقط. هناك استجابة على مستوى المؤسسة، وأخرى على مستوى الفريق، وثالثة على مستوى الفرد. وهذا التقسيم يمثل أحد المحاور الأساسية في نموذج الكتاب.

على مستوى المؤسسة، تحتاج الإدارة إلى وضع قواعد واضحة للسلوك المقبول، وربط القيم التنظيمية بالممارسة الفعلية.

وعلى مستوى الفريق، يحتاج الأعضاء إلى وضع حدود تمنع السلوك المؤذي من التحول إلى قاعدة.

أما الفرد، فيحتاج إلى فهم الموقف وتحديد ما يستطيع تغييره، ومتى يحتاج إلى تدخل إداري، ومتى يصبح الابتعاد عن البيئة خيارًا منطقيًا.

ويحذر الكتاب أيضًا من بعض الاستجابات التي تبدو مناسبة لكنها قد لا تنجح. من بينها التعامل مع المشكلة وكأنها مجرد خلاف شخصي بين موظفين.

إذا كانت المشكلة متكررة وتؤثر في الفريق، فإن اختزالها في خلاف فردي قد يسمح لها بالاستمرار.

كما أن فصل الشخص السام أو نقله إلى فريق آخر لا يعالج المشكلة بالضرورة. فقد ينتقل السلوك إلى مكان جديد، بينما تظل الثقافة التي سمحت به دون تغيير.

ومن هنا تظهر فكرة مركزية في الكتاب. لا يمكن بناء بيئة عمل صحية بمجرد التخلص من الأشخاص الذين يسببون المشكلات. المؤسسة تحتاج إلى نظام يمنع السلوك السام من الحصول على مساحة للانتشار.

وهذا يتطلب قيادة تراقب السلوك، وتستمع إلى العاملين، وتتعامل مع الشكاوى، وتربط التقييم المهني بطريقة تحقيق النتائج وليس بالنتائج وحدها.

الكتاب بذلك يضع الإدارة أمام اختبار مباشر. هل تكافئ المؤسسة الموظف الذي يحقق النتائج بأي وسيلة، أم تضع حدودًا للطريقة التي يحقق بها هذه النتائج؟

خلاصة الكتاب في نقاط

  1. البيئة السامة لا تنتج دائمًا عن شخص واحد، بل قد تساعد الثقافة التنظيمية على استمرارها.
  2. السلوك المؤذي يصبح أكثر خطورة عندما يتحول إلى نمط متكرر.
  3. الإذلال والعدوان السلبي وتخريب العمل الجماعي من صور السلوك السام التي يناقشها الكتاب.
  4. تجاهل الإدارة للشكاوى قد يمنح السلوك المؤذي فرصة للاستمرار.
  5. انتقال الموظف السام إلى قسم آخر لا يعني بالضرورة حل المشكلة.
  6. معالجة السلوك تحتاج إلى تدخل على مستوى المؤسسة والفريق والفرد.
  7. تقييم الموظف يجب ألا يعتمد على النتائج فقط، بل على الطريقة التي يحقق بها هذه النتائج.
  8. بناء بيئة صحية يحتاج إلى حدود واضحة ومساءلة مستمرة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المديرين ومسؤولي الموارد البشرية وقادة الفرق، كما يفيد الموظفين الذين يريدون فهم أسباب انتشار السلوكيات المؤذية داخل مؤسساتهم.

ويهم الكتاب أيضًا أصحاب المؤسسات الصغيرة، لأن غياب الهيكل الإداري الواضح قد يجعل تأثير الشخصيات المسيطرة أكبر، ويجعل التعامل مع الشكاوى قائمًا على العلاقات الشخصية بدلًا من القواعد.

نقاط القوة

من أهم نقاط قوة الكتاب أنه لا يحصر المشكلة في شخصية الموظف. هذه النقطة تمنحه قيمة إدارية، لأن المؤسسة قد تكون جزءًا من المشكلة حتى عندما يكون السلوك صادرًا عن فرد واحد.

كما يعتمد المؤلفان على دراسة ميدانية شملت أكثر من 400 قائد، وهو ما يمنح الطرح أساسًا عمليًا بدلًا من الاكتفاء بالملاحظات النظرية.

ويتميز الكتاب أيضًا بتقديمه إطارًا متعدد المستويات للتعامل مع السلوك السام. فالمشكلة تحتاج إلى استجابة من الإدارة، ومن الفريق، ومن الشخص المتضرر.

ومن نقاط القوة كذلك التمييز بين السلوك الصعب والسلوك السام. ليس كل خلاف أو نقد أو اختلاف في الشخصية دليلًا على بيئة سامة. المهم هو النمط، والتكرار، والأثر في الآخرين.

نقاط تجاهلها الكتاب

يمكن مناقشة مدى صعوبة تحديد السلوك السام بصورة موضوعية. فقد يرى مدير أن الموظف حازم، بينما يراه زملاؤه عدوانيًا. وقد يعتبر شخص النقد المهني إهانة، بينما يراه آخر جزءًا من العمل.

لذلك تحتاج المؤسسات إلى معايير واضحة تمنع استخدام مفهوم “السمية” كسلاح ضد الموظفين المختلفين أو المنتقدين.

كما أن بعض البيئات المهنية تفرض ضغوطًا تجعل السلوك العدواني أكثر انتشارًا. المنافسة الشديدة، وضغط النتائج، وضعف الأمان الوظيفي، كلها عوامل يمكن أن تزيد التوتر داخل الفرق.

ولا يمكن دائمًا علاج هذه المشكلات بتغيير سلوك الأفراد وحده.

ملاحظات يمكن مناقشتها

السؤال الأهم الذي يتركه الكتاب هو كيف تعرف المؤسسة أنها أصبحت سامة؟

الإجابة لا تبدأ بالبحث عن موظف معين، بل بمراقبة الأنماط.

هل تزداد الشكاوى؟

هل يخشى الموظفون الحديث؟

هل يفضل العاملون الصمت على تقديم المقترحات؟

هل تزداد الاستقالات من فريق معين؟

هل توجد شخصية لا يستطيع أحد محاسبتها؟

هذه المؤشرات قد تكشف المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة.

ومن النقاط التي تستحق المناقشة أيضًا مسؤولية الموظف نفسه. ليس كل موقف يحتاج إلى تدخل الإدارة. أحيانًا يستطيع الموظف وضع حدود واضحة، أو توثيق الوقائع، أو طلب توضيح، أو تغيير طريقة التواصل مع زميله.

لكن هناك لحظة يصبح فيها تحميل الموظف مسؤولية حماية نفسه غير عادل، خصوصًا عندما يكون السلوك صادرًا عن مدير مباشر أو شخصية تملك سلطة حقيقية.

في هذه الحالة تصبح المؤسسة مسؤولة عن توفير قناة آمنة للتعامل مع المشكلة.

ويطرح الكتاب أيضًا سؤالًا مهمًا حول علاقة الأداء بالسلوك. ماذا تفعل المؤسسة عندما يكون الموظف صاحب نتائج مرتفعة لكنه يسبب مشكلات للفريق؟

قد تختار بعض الإدارات الاحتفاظ به لأنها تنظر إلى الأرقام فقط.

لكن هذا القرار قد يحمل تكلفة لا تظهر في تقرير الأداء. الموظف الذي يحقق نتائج شخصية بينما يضعف الفريق قد يترك المؤسسة أمام خسارة أكبر على المدى الطويل.

ولهذا فإن الأداء الفردي لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للحكم على النجاح.

القيادة الصحية تحتاج إلى سؤالين معًا. ماذا حقق الموظف؟ وكيف حققه؟

وهذا المبدأ يمكن تطبيقه في المؤسسات الإعلامية والشركات والمدارس والمستشفيات وغيرها. فالنتيجة لا تنفصل عن الطريقة التي وصلت بها المؤسسة إليها.

كما أن الكتاب يفتح بابًا للنقاش حول مسؤولية المديرين الجدد. عندما يتولى مدير جديد فريقًا يعاني من سلوكيات سامة، فإن أول قرار قد يتخذه يحدد شكل المرحلة التالية.

إذا تجاهل المشكلة، قد يفسر الفريق ذلك باعتباره قبولًا.

وإذا بدأ بالعقاب دون فهم الأسباب، فقد يزيد الصراع.

أما الاستجابة الأكثر فاعلية فتبدأ بفهم الوقائع، والاستماع إلى الأطراف، وتحديد السلوكيات التي يجب تغييرها، ثم وضع قواعد يمكن تطبيقها على الجميع.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية. وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: The Toxic Workplace! Managing Toxic Personalities and Their Systems of Power

العنوان العربي: بيئة العمل السامة

المؤلفان: Mitchell Kusy وElizabeth Holloway

دار النشر: Jossey-Bass

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2009

عدد الصفحات: 240 صفحة تقريبًا

رقم الإيداع:

ISBN: 9780470424841

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *