حين يسرق الانشغال بالأحداث أعمارنا

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يضع”إبراهيم عمر السكران” في كتاب”الماجريات”يده على ظاهرة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل أثرا كبيرا في حياة الإنسان، وهي الانشغال المستمر بالأحداث والأخبار والنقاشات الجارية من حوله، فالإنسان بطبيعته يميل إلى معرفة ما يحدث، ومتابعة القضايا التي تشغل المجتمع، والتفاعل مع الأحداث التي تتصدر المشهد، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المتابعة من وسيلة لفهم الواقع إلى حالة دائمة تستحوذ على الوقت والانتباه.

رسالة الكاتب الأساسية ليست دعوة إلى العزلة أو تجاهل ما يحدث، وإنما محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، فهناك فرق بين أن يعرف الإنسان ما يجري حوله، وبين أن يسمح لكل حدث بأن يقتطع جزءا من يومه وطاقته، وقد يبدو الانشغال بالأخبار والنقاشات نوعا من الحضور والمشاركة، بينما قد يكون في بعض الحالات سببا في تأجيل العمل الحقيقي والعلم وبناء المشاريع التي تترك أثرا مستمرا.

الانشغال بالماجريات:

يركز الكتاب على فكرة أن متابعة الأحداث والأخبار والنقاشات اليومية قد تتحول من وسيلة لمعرفة الواقع إلى حالة من الاستنزاف المستمر للوقت والانتباه، خاصة عندما يصبح الإنسان منشغلا بكل ما يحدث حوله دون تمييز بين المهم وغير المهم.

قيمة الوقت:

يربط الكاتب بين الانشغال بالأحداث وبين ضياع الوقت الذي كان من الممكن استثماره في التعلم والعمل وبناء المشروعات، فالوقت الذي يذهب في متابعة تفاصيل لا تؤثر في حياة الإنسان قد يمنعه من إنجاز أمور أكثر أهمية.

الفرق بين المعرفة والانشغال:

لا يرى الكتاب أن معرفة ما يحدث أمرا سلبيا، وإنما يفرق بين المعرفة التي تساعد الإنسان على فهم الواقع، وبين الانشغال الذي يجعل الإنسان ينتقل من خبر إلى آخر ومن نقاش إلى آخر دون أن يخرج بفائدة حقيقية.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي:

تزداد مشكلة الماجريات في الوقت الحالي بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الأخبار والنقاشات متاحة طوال الوقت، وأصبح من السهل أن ينتقل الإنسان من موضوع إلى آخر دون أن يشعر بكم الوقت الذي استهلكه.

وهم المشاركة:

قد تمنح متابعة الأحداث والتعليق عليها الإنسان شعورا بأنه يشارك في صناعة الواقع، رغم أن هذه المشاركة قد لا يكون لها تأثير حقيقي، وهنا يدعو الكتاب إلى التمييز بين المشاركة التي تنتج أثرا والتفاعل الذي يستهلك الوقت فقط.

أهمية التركيز:

يرى الكاتب أن بناء المعرفة الحقيقية يحتاج إلى وقت وتركيز، بينما يؤدي الانتقال المستمر بين الأخبار والمناقشات إلى تشتيت الذهن وصعوبة التفرغ لما يحتاج إلى دراسة أو عمل عميق.

اختيار ما يستحق الاهتمام:

لا يستطيع الإنسان متابعة كل شيء يحدث حوله، لذلك يحتاج إلى معيار واضح يحدد من خلاله القضايا التي تستحق اهتمامه، وما يمكن تجاوزه دون الشعور بأنه يفوته شيء مهم.

صناعة الأثر:

يربط الكتاب بين قيمة الإنسان وما يقدمه من علم وعمل وأثر، وليس فقط بمدى حضوره في النقاشات والأحداث الجارية، فالمعرفة الحقيقية تظهر قيمتها عندما تتحول إلى عمل أو إنتاج أو فائدة للآخرين.

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

كثرة متابعة الأحداث لا تعني بالضرورة زيادة الوعي.

ليس كل ما يحدث حول الإنسان يستحق الدرجة نفسها من الاهتمام.

الاستغراق في الأخبار والجدالات يمكن أن يستهلك وقتا كان من الممكن توجيهه إلى التعلم والعمل.

وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الماجريات أسرع انتشارا وأكثر قدرة على جذب الانتباه.

المشاركة المستمرة في النقاشات قد تمنح الإنسان شعورا بالإنجاز دون أن يكون قد أنجز شيئا ملموسا.

المعرفة العميقة تحتاج إلى قراءة وتركيز ووقت، وهي أمور يصعب الحفاظ عليها مع التشتت المستمر.

الإنسان يحتاج إلى امتلاك معيار يحدد من خلاله ما يستحق المتابعة وما يمكن تجاوزه.

قيمة الإنسان لا تتحدد بمدى حضوره في كل نقاش، وإنما بما يقدمه من معرفة وعمل وأثر.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب بصورة واضحة الشباب وطلاب العلم والقراء والمهتمين بالشأن العام، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز هذه الفئات ليخاطب كل شخص يشعر أن جزءا كبيرا من يومه يذهب في متابعة الأخبار ومواقع التواصل والنقاشات المتكررة.

ويصبح الكتاب أكثر أهمية بالنسبة لمن لديهم أهداف واضحة أو مشروعات يريدون إنجازها، لأن مشكلة الماجريات لا تظهر دائما في صورة وقت ضائع بشكل مباشر، وإنما قد تظهر في صورة تأجيل مستمر لما هو أهم، أو ضعف في التركيز، أو انتقال دائم من موضوع إلى آخر دون الوصول إلى نتيجة.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أبرز نقاط القوة أن الكتاب يناقش سلوكا يوميا بطريقة فكرية تتجاوز النصائح المباشرة، ويحاول أن يربط بين إدارة الوقت والانشغال بالأحداث وبين القدرة على صناعة أثر حقيقي، كما أن اعتماد الكاتب على نماذج وأمثلة من التاريخ والفكر يساعد على توضيح الفكرة، وإظهار أن مشكلة الانشغال بالأحداث ليست جديدة، وإن كانت أدواتها اليوم أكثر سرعة وانتشارا.

كما يتميز الكتاب بقدرته على جعل القارئ يعيد النظر في عاداته اليومية، خصوصا عادته في متابعة الأخبار والتعليقات والنقاشات.

أما الجانب الذي قد يمثل صعوبة لبعض القراء فهو كثافة الطرح وكثرة الأمثلة والإحالات، وهو ما قد يجعل بعض الأجزاء تحتاج إلى تركيز وقراءة متأنية، كذلك فإن فكرة الكتاب يمكن أن يساء فهمها إذا اختزلت في مجرد الدعوة إلى الابتعاد عن الأخبار، بينما القضية الأعمق تتعلق بترتيب الاهتمام واختيار ما يستحق الوقت.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أهمها أن الوعي لا يعني المتابعة المستمرة، فالإنسان الواعي ليس بالضرورة هو الأكثر معرفة بكل خبر أو الأكثر حضورا في كل نقاش، وإنما هو القادر على فهم ما يهمه وتحديد ما يحتاج إلى معرفته، ثم تحويل هذه المعرفة إلى موقف أو عمل.

كما أن الانشغال بالماجريات قد يرتبط أحيانا بالحاجة النفسية إلى الشعور بالمشاركة، فالإنسان عندما يتابع حدثا كبيرا ويعلق عليه ويشارك في النقاش حوله قد يشعر بأنه يؤدي دورا، حتى لو لم يكن لذلك التفاعل أثر حقيقي في حياته أو في القضية نفسها.

وهنا تصبح الفكرة أكثر ارتباطا بعصرنا، لأن المشكلة لم تعد في ندرة المعلومات، وإنما في وفرة المعلومات وتنافسها على انتباه الإنسان، أصبح من السهل أن يبدأ الشخص يومه بخبر، ثم ينتقل إلى تعليق، ثم نقاش، ثم مقطع، ثم قضية جديدة، حتى ينتهي اليوم دون أن يمنح مشروعه الشخصي أو قراءته أو عمله الوقت نفسه.

ومن هذه الزاوية يقدم الكتاب دعوة غير مباشرة إلى استعادة السيطرة على الانتباه، لأن ما يمنحه الإنسان اهتمامه بصورة مستمرة يشارك في تشكيل حياته وأفكاره وأولوياته.

في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان:”الماجريات”

المؤلف:”إبراهيم عمر السكران”

دار النشر: دار الحضارة للنشر والتوزيع

بلد النشر: المملكة العربية السعودية

الطبعة: الثانية

سنة النشر: 1436هـ 2015م

عدد الصفحات: 344 صفحة

رقم الإيداع: 1436/8344

ISBN: 978 603 5063 57 9

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *