تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تجعلك تعيد النظر في الطريقة التي تعمل بها أصلًا وهذا واحد من الكتب التي تتعامل مع العمل والإبداع باعتبارهما مساحة يمكن للإنسان أن يعيش فيها بطريقته بدل أن يتحول إلى ترس صغير داخل آلة ضخمة
ما بتناوله الكاتب
المشكلة التي يضعها جوردون ماكينزي أمامك ليست العمل نفسه وإنما ذلك الشيء الغريب الذي يتكون حول الإنسان كلما كبرت المؤسسة قواعد ولوائح وإجراءات وعادات واجتماعات وتسلسلات إدارية وأفكار قديمة نجحت ذات يوم ثم استمرت في الوجود حتى بعد أن تغير العالم كله هذا الكيان المتشابك هو ما يسميه كرة الشعر العملاقة لأنها تبدو مثل كتلة ضخمة من الخيوط المتشابكة وكلما حاولت التحرك داخلها وجدت خيطًا آخر يشدك إلى المكان الذي كنت فيه
المؤسسات تبدأ غالبًا بفكرة بسيطة ثم تنمو ومع النمو تظهر الحاجة إلى التنظيم والتنظيم يجلب قواعد والقواعد تجلب إجراءات والإجراءات تتحول مع الوقت إلى عادات وبعد سنوات يصبح الالتزام بالطريقة القديمة أهم من السؤال عن سبب وجودها أصلًا وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية لأن النظام الذي كان يساعد المؤسسة على النجاح قد يتحول إلى شيء يمنعها من التغيير
الإبداع يحتاج إلى مساحة مختلفة تمامًا فهو يعيش على الفضول والتجربة واللعب والاحتمالات بينما المؤسسة التقليدية تحب التوقع والسيطرة والنتائج المضمونة لذلك يجد الشخص المبدع نفسه أحيانًا في معركة غير معلنة بين الرغبة في صناعة شيء جديد والرغبة في عدم إزعاج النظام القائم والمفارقة أن المؤسسة قد تطلب من موظفيها الابتكار ثم تعاقبهم عمليًا عندما يحاولون الابتكار بطريقة لا تشبه ما اعتادت عليه
الإنسان المبدع لا يحتاج دائمًا إلى مكتب مختلف أو ميزانية ضخمة أو لقب كبير حتى يبدأ في صناعة أفكار جديدة أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يتوقف عن انتظار الإذن الداخلي الذي صنعته المؤسسة داخل رأسه لأن أخطر أنواع الرقابة ليست تلك التي تأتي من المدير وإنما تلك التي يتعلم الإنسان ممارستها على نفسه حين يبدأ في حذف أفكاره قبل أن يقولها لأنه يتوقع مسبقًا أن أحدًا لن يقبلها
الخيال هنا لا يظهر كترف بعيد عن عالم الأعمال بل كأداة عملية فالمنتج الجديد يبدأ كفكرة والخدمة المختلفة تبدأ كسؤال وطريقة العمل الجديدة تبدأ بملاحظة صغيرة وكل شيء نعتبره طبيعيًا اليوم كان في وقت ما شيئًا غريبًا على النظام القائم ولذلك فإن المؤسسة التي تريد الاستمرار تحتاج إلى أشخاص مستعدين للنظر إلى الأشياء القديمة بعين جديدة
الاقتراب من النظام دون الذوبان فيه يصبح مهارة أساسية لأن الإنسان لا يستطيع دائمًا الهروب من المؤسسة التي يعمل داخلها كما أنه ليس من الضروري أن يحول حياته إلى حرب مستمرة معها المطلوب هو أن يتعلم كيف يتحرك حول القواعد بذكاء وأن يعرف متى يلتزم ومتى يسأل ومتى يجرب ومتى يرفض أن يسمح للإجراءات بأن تقتل الفكرة قبل أن تولد
العمل الإبداعي يحتاج كذلك إلى تقبل الفشل لأن كل تجربة جديدة تحمل احتمالًا حقيقيًا ألا تنجح والبيئات التي لا تسمح بالفشل تنتج غالبًا أشخاصًا بارعين في تجنب المخاطر وليس أشخاصًا بارعين في صناعة المستقبل الموظف الذي يعرف أن الخطأ سيكلفه سمعته أو ترقيته سيختار الطريق الآمن حتى لو كان الطريق الآمن يقود المؤسسة ببطء إلى الجمود
المرح والسخرية واللعب تظهر هنا كأدوات أكثر جدية مما تبدو عليه فاللعب يحرر العقل من القواعد التي يفرضها على نفسه عندما يتعامل مع المشكلة باعتبارها امتحانًا يجب أن تكون له إجابة صحيحة واحدة وحين يسمح الإنسان لنفسه بالتجربة يمكنه أن يصل إلى حلول لم يكن ليبحث عنها لو كان يحاول طوال الوقت أن يبدو محترفًا ومثاليًا
المؤسسة تحتاج إلى أشخاص يستطيعون التحليق قليلًا فوق النظام حتى يروا الصورة كاملة بدل أن يعيشوا داخل تفاصيله فقط الشخص الذي ينشغل بتنفيذ الإجراء قد لا يلاحظ أن الإجراء نفسه أصبح بلا فائدة والشخص الذي يبتعد خطوة يستطيع أن يرى العلاقة بين الأشياء ويكتشف أن المشكلة ليست في الموظف ولا في العميل ولا في المدير وإنما في الطريقة التي صممت بها العملية كلها
القيادة الحقيقية لا تعني السيطرة على كل شيء بل تعني خلق بيئة تجعل الآخرين قادرين على تقديم أفضل ما لديهم المدير الذي يريد أن يعرف كل التفاصيل ويوافق على كل قرار قد يشعر أنه يسيطر على المؤسسة لكنه في الحقيقة قد يصبح عنق الزجاجة الذي يمنعها من الحركة أما القائد الذي يمنح مساحة للآخرين فيستطيع أن يحصل على أفكار أكثر وأن يجعل الإبداع موزعًا داخل المؤسسة بدل أن يكون محصورًا في مكتب واحد
النجاح المهني أيضًا لا يحتاج إلى أن يصبح الإنسان نسخة من الصورة التي رسمتها المؤسسة للموظف المثالي لأن محاولة إرضاء الجميع طوال الوقت قد تجعلك مقبولًا لكنها قد تقتل أكثر ما يميزك الاختلاف الذي تحاول إخفاءه ربما يكون هو نفسه المصدر الذي يمنحك قدرتك على رؤية ما لا يراه الآخرون
الإنسان يستطيع أن يعمل داخل النظام دون أن يسمح للنظام بأن يعمل داخله وهذه ربما تكون الفكرة الأهم في الرحلة كلها لأن المؤسسة قد تفرض ساعات وقواعد ومسميات وظيفية لكنها لا تملك بالضرورة قدرتك على تخيل الاحتمالات إلا إذا سلمتها هذه القدرة بنفسك وحين يصبح الإنسان واعيًا بهذه المسافة يستطيع أن يظل جزءًا من المؤسسة دون أن يفقد شخصيته
كرة الشعر العملاقة ليست شركة بعينها ولا مديرًا بعينه ولا مجموعة قوانين محددة إنها الحالة التي تحدث عندما تتراكم الأشياء القديمة فوق بعضها حتى يصبح تغيير أي شيء صعبًا والنجاة منها لا تعني تدمير المؤسسة وإنما تعلم كيفية التحرك حولها وصنع مساحة صغيرة للفضول ثم توسيع هذه المساحة كلما أمكن
الفكرة التي تظل عالقة بعد هذه الرحلة أن الإبداع ليس موهبة نادرة محفوظة عند عدد قليل من الفنانين وإنما طريقة في النظر إلى العالم وأن أكبر عدو له قد لا يكون نقص الأفكار وإنما الخوف من مخالفة المألوف الإنسان الذي يملك الشجاعة ليسأل لماذا يفعل الجميع هذا بهذه الطريقة قد يكون قد بدأ بالفعل أول خطوة نحو التغيير
العمل يمكن أن يكون أكثر من وظيفة ويمكن للمؤسسة أن تكون أكثر من مجموعة مكاتب ولوائح ويمكن للإنسان أن ينجح دون أن يتحول إلى نسخة باهتة من الآخرين المطلوب ليس الهروب من كرة الشعر العملاقة دائمًا وإنما تعلم كيفية الدوران حولها مع الحفاظ على القدرة على التفكير واللعب والتجربة وصناعة شيء يحمل بصمتك الخاصة لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان داخل أي مؤسسة ليس أن يفشل في الصعود وإنما أن يصل إلى القمة بعد أن يكون قد نسي تمامًا لماذا بدأ الصعود.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان
Orbiting the Giant Hairball
A Corporate Fool’s Guide to Surviving with Grace
العنوان بالعربية
الدوران حول كرة الشعر العملاقة
دليل الأحمق المؤسسي للبقاء برشاقة
المؤلف
جوردون ماكينزي
دار النشر
Viking
بلد النشر
الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة
طبعة Viking المصورة المعاد طبعها وهي أحدث طبعة مطبوعة موثقة في المصادر الببليوجرافية المتاحة
سنة النشر
1998
عدد الصفحات
224 صفحة
رقم الإيداع
LCCN 97052991
ISBN
9780670879830
ISBN 10
0670879835







