قراءة في كتاب: العقل الممتص لدى الطفل ـ The Absorbent Mind

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالباً بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة،

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

كيف يبني الطفل شخصيته قبل أن ندرك أننا نعلّمه؟

 

يُعد كتاب العقل الممتص من أبرز الأعمال التي قدمت فلسفة ماريا مونتيسوري في فهم الطفل وطريقة نموه وتعلمه وهو كتاب لا ينظر إلى السنوات الأولى من عمر الإنسان باعتبارها مجرد مرحلة تمهيدية قبل التعليم الحقيقي وإنما يراها الفترة التي تتشكل خلالها الأسس العميقة للشخصية والعقل واللغة والسلوك. وقد نُشر الكتاب لأول مرة عام 1949 ثم ظهرت له طبعات عديدة لاحقة ومن أشهرها إصدار Holt Paperbacks الصادر عام 1995.

 

تنطلق مونتيسوري من فكرة محورية شديدة الأهمية وهي أن الطفل خلال السنوات الأولى من حياته يمتلك قدرة استثنائية على امتصاص ما يحيط به، فهو لا يتعلم بالطريقة التي يتعلم بها الإنسان البالغ عندما يجلس أمام كتاب أو يستمع إلى محاضرة، وإنما يتعلم بصورة تلقائية من خلال الاحتكاك بالبيئة ومراقبة الآخرين والاستماع إلى اللغة والحركة والتجربة والتكرار، ولذلك أطلقت مونتيسوري على هذه القدرة اسم العقل الممتص لأنها ترى أن الطفل يمتص عناصر البيئة المحيطة به ويحولها تدريجيًا إلى جزء من شخصيته.

 

وهذه الفكرة تغير الطريقة التي ننظر بها إلى التربية فإذا كان الطفل يمتص البيئة المحيطة به بهذه القوة فإن السؤال لا يعود فقط: ماذا نعلّم الطفل؟ وإنما يصبح: ماذا نضع أمامه؟ وكيف نتحدث معه؟ وكيف نتصرف أمامه؟ وما نوع العلاقات التي يراها؟ فالطفل لا يتعلم من النصائح وحدها وإنما يتعلم من الحياة اليومية التي يعيشها، وقد يرى أحد الوالدين أن الطفل لا ينتبه إلى التفاصيل الصغيرة بينما يكون الطفل في الحقيقة شديد الحساسية لما يحدث حوله ويخزن أنماط الكلام والحركة والتعامل التي يراها بصورة متكررة.

 

وترى مونتيسوري أن السنوات الأولى ليست مجرد مرحلة لتلقي المعلومات بل مرحلة لبناء الإنسان نفسه. فالطفل لا يكتسب خلالها اللغة فقط وإنما يبني قدرته على استخدامها بطريقة تبدو للكبار لاحقًا وكأنها حدثت بصورة طبيعية، كما يطور أنماط الحركة ويبدأ في فهم النظام، ويكتسب القدرة على التعامل مع البيئة ويتعلم تدريجيًا كيف يتفاعل مع الآخرين، ولذلك فإن السنوات الأولى تصبح في تصورها مرحلة شديدة الحساسية ينبغي التعامل معها باهتمام بالغ.

 

ومن هنا تظهر أهمية البيئة في فلسفة مونتيسوري فالطفل يحتاج إلى بيئة تسمح له بالحركة والاستكشاف والعمل بصورة مستقلة قدر الإمكان فإذا كان كل شيء حوله مصممًا للكبار، وإذا كان ممنوعًا باستمرار من لمس الأشياء أو تجربتها فقد تصبح البيئة نفسها عائقًا أمام التعلم، أما عندما تكون البيئة منظمة ومناسبة لعمر الطفل فإنها تمنحه فرصة لاكتساب مهارات جديدة من خلال الممارسة اليومية.

 

وتربط مونتيسوري بين الحركة والتعلم بصورة وثيقة فالطفل لا يستخدم جسده فقط للانتقال من مكان إلى آخر، وإنما يتعلم من خلال الحركة أيضًا عندما يمسك شيئًا، أو يحاول ترتيب مجموعة من الأشياء أو يفتح بابًا أو يصب الماء أو يضع شيئًا في مكانه فهو يكتسب معلومات عن الحجم والوزن والمسافة والتوازن والنظام، ولذلك فإن التربية التي تمنع الطفل من الحركة طوال الوقت قد تحرمه من جانب مهم من عملية التعلم.

 

ومن الأفكار الأساسية في الكتاب كذلك مفهوم الاستقلال فالطفل بحسب مونتيسوري لا يحتاج دائمًا إلى شخص يقوم بالأشياء نيابة عنه بل يحتاج إلى فرصة للمحاولة بنفسه، وقد يبدو الأمر أسرع عندما يقوم الأب أو الأم بالمهمة بدلًا من الطفل لكن هذا الحل السريع قد يمنع الطفل من اكتساب المهارة لذلك يصبح دور الكبار هو المساعدة عندما تكون المساعدة ضرورية مع ترك مساحة كافية للطفل كي يجرب ويخطئ ويعيد المحاولة.

 

وتؤكد مونتيسوري أن الاستقلال لا يعني ترك الطفل دون توجيه وإنما يعني أن تكون المساعدة مناسبة لحاجته فالطفل يحتاج إلى بيئة منظمة وقواعد واضحة لكنه يحتاج أيضًا إلى مساحة يتحرك فيها ويختار ويكتشف، وهذه الموازنة بين الحرية والنظام من العناصر الأساسية في فلسفتها التربوية.

 

ويولي الكتاب اللغة أهمية كبيرة لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل وإنما واحدة من الأدوات التي يبني الطفل من خلالها عالمه الداخلي، فالطفل يسمع الكلمات في سنواته الأولى باستمرار ويربطها بالأشخاص والأشياء والأفعال والمواقف ثم يبدأ تدريجيًا في استخدامها، وهنا تؤكد مونتيسوري أهمية البيئة اللغوية التي يعيش فيها الطفل لأن اللغة التي يسمعها باستمرار تصبح جزءًا من عملية بناء شخصيته وقدرته على التفكير والتواصل.

 

كما تتناول مونتيسوري مفهوم “الفترات الحساسة” وهي مراحل يكون فيها الطفل أكثر استعدادًا لاكتساب مهارة أو نوع معين من المعرفة وخلال هذه الفترات قد يظهر اهتمام شديد بموضوع محدد أو نشاط معين ويكرر الطفل المحاولة مرات كثيرة دون أن يشعر بالملل، وترى مونتيسوري أن هذه الرغبة ليست عبثية بل تعكس استعدادًا داخليًا يساعد الطفل على بناء قدرات جديدة.

 

وهنا تأتي أهمية ملاحظة الطفل بدلًا من فرض برنامج تعليمي جامد عليه فإذا لاحظ الوالدان أو المعلم أن الطفل يُظهر اهتمامًا متكررًا بنشاط معين يمكن استثمار هذا الاهتمام بدلًا من تجاهله، فالتعلم يصبح أكثر فاعلية عندما يتوافق مع الاستعداد الداخلي للطفل وليس عندما يكون مجرد مجموعة أوامر يطلب منه تنفيذها.

 

ويتحدث الكتاب أيضًا عن الانتقال من الفرد إلى المجتمع فالطفل لا يعيش لنفسه فقط وإنما يتعلم تدريجيًا كيف يتعامل مع الآخرين وكيف يشاركهم المكان، وكيف يحترم القواعد وكيف يؤدي بعض المهام التي تخدم المجموعة، ومن هنا تصبح التربية وسيلة لبناء الاستقلال والمسؤولية في الوقت نفسه.

 

ومن الجوانب المهمة في رؤية مونتيسوري أنها لا تعتبر الطفل نسخة ناقصة من الإنسان البالغ بل ترى أنه يملك طريقة خاصة في النمو والتعلم وهذه الفكرة كانت مختلفة عن كثير من التصورات التقليدية التي تعاملت مع الطفل باعتباره متلقيًا ينتظر أن يشكل الكبار شخصيته، أما مونتيسوري فتعطي الطفل دورًا أكثر فاعلية في عملية تكوين نفسه بينما يصبح دور الكبار توفير البيئة المناسبة ومراقبة التطور والتدخل عند الحاجة.

 

ومع ذلك، فإن أفكار الكتاب لا تعني أن كل ما يفعله الطفل يجب أن يُترك بلا حدود فالبيئة المنظمة التي تتحدث عنها مونتيسوري تقوم على النظام والمواد التعليمية لها استخدامات محددة والحرية مرتبطة بالمسؤولية ولذلك فإن جوهر الفكرة ليس “دع الطفل يفعل ما يريد” وإنما “امنح الطفل مساحة مناسبة ليعمل ويتعلم ويصبح أكثر استقلالًا”.

 

ومن أكثر الجوانب التي تجعل الكتاب مهمًا حتى اليوم أنه ينقل النقاش من سؤال “كيف نجعل الطفل يذاكر؟” إلى سؤال أعمق: “كيف نساعد الطفل على أن يصبح شخصًا قادرًا على التعلم؟” فالهدف النهائي ليس أن يحفظ الطفل عددًا كبيرًا من المعلومات في سنواته الأولى وإنما أن يكتسب الأدوات العقلية والسلوكية التي تجعله قادرًا على اكتشاف المزيد بنفسه.

 

وفي عصر أصبحت فيه المعلومات متاحة بسهولة عبر الإنترنت والأجهزة الذكية تبدو هذه الفكرة أكثر أهمية فالطفل اليوم يستطيع الوصول إلى معلومات كثيرة خلال ثوانٍ لكن امتلاك المعلومات لا يعني امتلاك القدرة على التعلم أو التفكير، ولذلك فإن بناء الفضول والاستقلال والانتباه والقدرة على الملاحظة قد يكون أكثر قيمة من مجرد زيادة كمية المعلومات التي يعرفها الطفل.

 

ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأوسع للكتاب: التربية ليست عملية ملء عقل الطفل بالمعلومات وإنما توفير الظروف التي تسمح له ببناء نفسه فالطفل يتعلم من البيئة ومن العلاقات ومن الحركة ومن اللغة، ومن التجربة ومن التكرار ومن الأخطاء ومن مراقبة الآخرين، وكلما كانت البيئة أكثر احترامًا لقدراته واحتياجاته زادت فرص نموه بصورة متوازنة.

 

وفي النهاية يضع “العقل الممتص” أمام القارئ مسؤولية كبيرة ليس فقط تجاه المدرسة وإنما تجاه البيت والمجتمع كله، فإذا كان الطفل يمتص ما حوله بهذه القوة فإن كل ما نقدمه له يصبح جزءًا من تجربته في بناء شخصيته والطريقة التي نتحدث بها أمامه، والمساحة التي نمنحه إياها للاستقلال ونوعية العلاقات التي يراها وطريقة تعاملنا مع أخطائه وأسئلته كلها قد تكون دروسًا تربوية حتى لو لم نقصد أن نعلّمه شيئًا.

 

خلاصة الكتاب في 10 نقاط:

 

1. الطفل يمتلك قدرة استثنائية على امتصاص عناصر البيئة المحيطة به خلال السنوات الأولى.

2. السنوات الأولى من العمر مرحلة أساسية في بناء الشخصية والعقل.

3. الطفل يتعلم من البيئة والملاحظة والتجربة، وليس من التعليم المباشر فقط.

4. الحركة جزء مهم من عملية التعلم والنمو.

5. الاستقلال يساعد الطفل على بناء الثقة والقدرة على الاعتماد على نفسه.

6. البيئة المنظمة والمناسبة لعمر الطفل يمكن أن تكون وسيلة تعليمية بحد ذاتها.

7. اللغة التي يسمعها الطفل باستمرار تؤثر في بناء قدرته على التفكير والتواصل.

8. الفترات الحساسة تمثل مراحل يكون فيها الطفل أكثر استعدادًا لاكتساب مهارات معينة.

9. الحرية في التربية تحتاج إلى نظام ومسؤولية وليست غيابًا للحدود.

10. الهدف الأساسي من التربية هو مساعدة الطفل على بناء قدرته على التعلم والاستقلال مدى الحياة.

 

لمن يناسب هذا الكتاب؟

 

يناسب الكتاب الآباء والأمهات والمعلمين والعاملين في مجال رياض الأطفال وكل من يهتم بفهم مراحل نمو الطفل وطريقة اكتساب المهارات في السنوات الأولى، كما يناسب القارئ الذي يريد التعرف على الأساس الفكري لطريقة مونتيسوري بدلًا من الاكتفاء بالأدوات والأنشطة المنتشرة باسمها.

 

أهم ما يميز الكتاب أنه يقدم رؤية متكاملة للطفل ولا يحصر التعلم في المدرسة أو الكتب بل يربطه بالبيئة والحركة واللغة والاستقلال والعلاقات الإنسانية، كما أن فكرة العقل الممتص تقدم طريقة مختلفة للتفكير في مسؤولية الكبار عن البيئة التي يعيش فيها الطفل.

 

بعض أفكار الكتاب مرتبطة بالسياق العلمي والتربوي الذي كُتب فيه ولذلك قد يحتاج القارئ المعاصر إلى مقارنتها بما توصلت إليه أبحاث علم نفس النمو والتربية الحديثة، كما أن بعض أفكار مونتيسوري قد تبدو مثالية إذا فُهمت بمعزل عن الظروف المختلفة لكل أسرة وطفل.

 

من أكثر الأسئلة التي يفتحها الكتاب للنقاش: إلى أي مدى يستطيع الوالدان تطبيق بيئة تعليمية مثالية داخل المنزل؟ وهل يمكن تطبيق مبادئ مونتيسوري بصورة كاملة في المدارس التقليدية؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين حرية الطفل وبين حاجته إلى الحدود؟ كما يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا حول مسؤولية الكبار: هل نركز في التربية على ما نريد أن يتعلمه الطفل، أم على الطريقة التي نساعده بها ليصبح قادرًا على التعلم بنفسه؟

 

الكلمة الأخيرة:

 

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

 

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

 

العنوان: The Absorbent Mind

المؤلف: Maria Montessori

دار النشر: Holt Paperbacks

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: طبعة 1995، إعادة طبع

سنة النشر: 1995

عدد الصفحات: 320 صفحة

رقم الإيداع: LCCN 95018404

ISBN: 9780805041569

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *