من فوضي التفكير إلي راحة البال

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يأخذنا الكاتب”ستيف كروغ” في كتابه”لا تجعلني أفكر” إلى عالم يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه في جوهره يتعلق بسلوك الإنسان وطريقة تفكيره وتعامله مع التكنولوجيا.

فالكتاب الذي صدر لأول مرة عام 2000، أصبح من الكتب المؤثرة في مجال قابلية الاستخدام وتجربة المستخدم وتصميم المواقع، لأنه انطلق من قاعدة شديدة البساطة: عندما يدخل المستخدم إلى موقع إلكتروني أو تطبيق، فهو لا يريد أن يتعلم طريقة عمله، وإنما يريد إنجاز مهمة محددة بأقل قدر من التعقيد.

ومن هنا جاء عنوان الكتاب” لا تجعلني أفكر”، باعتباره دعوة إلى تصميم المنتجات والخدمات الرقمية بطريقة واضحة وبديهية، بحيث يعرف المستخدم ماذا يفعل دون الحاجة إلى البحث الطويل أو التخمين.

واللافت أن أفكار الكتاب، رغم ارتباطها بعالم الإنترنت، تتجاوز تصميم المواقع إلى الصحافة والخدمات الحكومية والتطبيقات وكل مجال يتعامل فيه الإنسان مع المعلومات.

تقوم الفكرة الأساسية على أن التصميم الجيد هو التصميم الذي يجعل الاستخدام طبيعيًا وواضحًا، ولا يحمّل المستخدم عبء التفكير في كيفية استخدامه، فالمشكلة ليست في أن المستخدم يفكر، وإنما في أن التصميم يجبره على التفكير في أشياء كان يجب أن تكون واضحة من البداية.

إذا دخل شخص إلى موقع بحثًا عن معلومة، فهدفه هو الوصول إليها، وليس معرفة فلسفة الموقع أو فهم طريقة تصميمه، ولهذا يرى المؤلف أن نجاح الموقع لا يرتبط فقط بجمال الشكل، وإنما بقدرته على الإجابة عن أسئلة المستخدم بسرعة: أين أنا؟ ماذا أستطيع أن أفعل؟ أين أضغط؟ وكيف أعود إلى المكان السابق؟

البساطة ليست عيبًا وإنما واحدة من أصعب صور الإبداع: فالمصمم الناجح ليس من يضع أكبر عدد من الخصائص والأزرار، وإنما من يعرف ما الذي يحتاجه المستخدم فعلًا، ثم يقدم إليه هذه الأشياء بطريقة مباشرة.

ويريد كروغ أن يدفع المصمم إلى تغيير زاوية نظره؛ فلا يسأل فقط:”كيف أجعل التصميم جميلًا؟”، وإنما يسأل: هل يستطيع المستخدم فهمه واستخدامه دون ارتباك.

وهنا تتحول تجربة المستخدم من مجرد مسألة فنية إلى مسؤولية تجاه وقت الإنسان وعقله وطاقته.

الوضوح قبل الإبهار:

التصميم الجميل الذي لا يعرف المستخدم كيفية التعامل معه يظل تصميمًا ضعيفًا.

المستخدم لا يقرأ كل شيء:

غالبًا ما يتصفح المستخدم الصفحة بسرعة بحثًا عن كلمة أو عنوان أو رابط يقوده إلى هدفه.

لا تجعل المستخدم يتساءل:

كلما زادت الأسئلة التي يطرحها المستخدم أثناء استخدام الموقع، زادت احتمالات شعوره بالارتباك.

الاختبار أهم من الافتراض:

المصمم قد يرى أن موقعه واضح، لكن المستخدم قد يراه بطريقة مختلفة تمامًا؛ لذلك يجب اختبار التصميم على مستخدمين حقيقيين.

الاختصار قوة:

المعلومات الزائدة والتعليمات الطويلة قد تشتت المستخدم بدلًا من مساعدته.

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب وهي أن:

اجعل الوظائف الأساسية واضحة منذ اللحظة الأولى.

لا تجعل المستخدم يبحث عن طريقة استخدام الموقع.

استخدم لغة مباشرة ومفهومة.

اجعل العناوين والروابط واضحة.

قلل المعلومات التي لا تضيف قيمة.

لا تجعل عدد النقرات هو المعيار الوحيد للحكم على سهولة الموقع.

اختبر التصميم باستمرار.

لا تفترض أن ما يبدو واضحًا للمصمم سيكون واضحًا للمستخدم.

ضع احتياجات المستخدم في قلب عملية التصميم.

البساطة يجب أن تكون هدفًا، وليست نتيجة عشوائية.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب بصورة أساسية مصممي المواقع والمطورين والمتخصصين في تجربة المستخدم، لكنه في الحقيقة يصلح لفئات أوسع بكثير.

كما يمكن لأي شخص يعمل في مجال تقديم المعلومات أو الخدمات للجمهور أن يستفيد من القاعدة الأساسية للكتاب: لا تجعل الشخص يبذل جهدًا إضافيًا للوصول إلى ما يحتاج إليه.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أبرز نقاط القوة بساطة الفكرة وسهولة تطبيقها؛ فالكتاب لا يقدم تنظيرًا معقدًا، وإنما يحول تجربة المستخدم إلى مجموعة من القواعد والملاحظات العملية.

كما يتميز بأسلوب كروغ السلس والساخر، وهو ما يجعل الكتاب التقني قريبًا من القارئ.

ومن نقاط قوته أيضًا تركيزه على الإنسان بدلًا من التركيز المفرط على التكنولوجيا، وهي نقطة جعلت أفكاره قابلة للانتقال إلى مجالات أخرى.

أما نقاط الضعف، فأبرزها أن بعض الأمثلة الأصلية ارتبطت بمرحلة مختلفة من تطور الإنترنت، خصوصًا أن الكتاب ظهر للمرة الأولى عام 2000.

كما أن عالم التطبيقات والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي فرض تحديات جديدة لم تكن موجودة بالصورة الحالية عند كتابة النسخة الأولى.

لكن النسخ المنقحة حاولت مواكبة بعض هذه التحولات، خصوصًا فيما يتعلق بالهواتف المحمولة وتجربة المستخدم الحديثة.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أهم هذه المفاهيم هو هل البساطة دائمًا أفضل؟ الإجابة ليست بالضرورة نعم؛ فبعض الخدمات تحتاج إلى خطوات متعددة وأسئلة تفصيلية حتى تعمل بصورة صحيحة. وبالتالي فإن الهدف ليس تقليل الخطوات بأي ثمن، وإنما جعل كل خطوة مفهومة وضرورية.

كما أن مفهوم”عدم التفكير” يحتاج إلى تفسير دقيق؛ فالإنسان لا يريد أن يتوقف عن التفكير، وإنما يريد ألا يضيع تفكيره في فهم واجهة صممت بطريقة سيئة.

وهنا يمكن نقل الفكرة إلى الصحافة: القارئ مستعد للتفكير في القضية، لكنه لا ينبغي أن يضيع جهده في فك رموز العنوان أو البحث عن المعلومة الأساسية داخل نص غير منظم.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

في رأيي، القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في تعليمنا كيف نصمم موقعًا إلكترونيًا، وإنما في تعليمه لنا كيف نحترم عقل الإنسان ووقته.

ومن هنا أرى أن”لا تجعلني أفكر” يمكن أن يتحول من كتاب في تصميم المواقع إلى فلسفة عامة في تقديم المعلومات والخدمات.

فكلما قللنا التعقيد غير الضروري، زادت قدرتنا على الوصول إلى الناس.

في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “لا تجعلني أفكر”

العنوان الأصلي: Don’t Make Me Think

العنوان الكامل للطبعة المنقحة: Don’t Make Me Think, Revisited: A Common Sense Approach to Web (and Mobile) Usability

المؤلف:”ستيف كروغ” — Steve Krug

المجال: تجربة المستخدم وقابلية الاستخدام وتصميم المواقع

دار النشر: New Riders

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الأولى: 2000

الطبعة المنقحة الثالثة: 2013

عدد الصفحات: يختلف بحسب الطبعة والإصدار

ISBN: 978-0-13-359725-7

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *