“خذ زمام حياتك”.. من مدغشقر تأتي رسالة تقول: لا أحد سيعيش حياتك بدلا منك

تمهيد:

ليست كل الكتب التي تتحدث عن التنمية البشرية تسعى إلى تعليم الإنسان كيف يحقق النجاح، فبعضها يحاول أن يعيده إلى نفسه بعد أن أضاعها وسط ضجيج الحياة، ومن هذه الكتب يأتي” Raiso an-tanana ny fiainanao ”  أو “خذ زمام حياتك” للكاتب الملغاشي فونياري (Voniary)، الذي لا يضع بين يدي القارئ وصفات جاهزة ولا قوانين جامدة، بل يفتح له نافذة يطل منها على ذاته، وكأنه يقول له منذ السطر الأول: إن الحياة لن تتغير لأنك تمنيت ذلك، وإنما لأنها وجدت في داخلك إنسانا قرر أن يتغير.

 

يأتي هذا العمل من مدغشقر، الجزيرة التي يعرفها العالم بطبيعتها الفريدة أكثر مما يعرف أدبها، ليؤكد أن أسئلة الإنسان واحدة مهما اختلفت اللغات والخرائط، فالخوف هو الخوف، واليأس هو اليأس، والأمل أيضا لا يحتاج إلى ترجمة، ومن هنا تنبع خصوصية الكتاب، إذ يحاول أن يصنع جسرا بين الحكمة الشعبية الملغاشية وبين المبادئ الإنسانية العامة، ليؤكد أن الإنسان يستطيع دائما أن يبدأ من جديد، حتى وإن ظن أن العمر مضى وأن الفرص انتهت.

 

ينطلق فونياري من فكرة تبدو بسيطة، لكنها شديدة العمق، وهي أن الإنسان غالبا ما يمنح الآخرين سلطة أكبر مما يستحقون على حياته، ينتظر موافقة المجتمع، ويخشى أحكام الناس، ويربط قيمته بما يقوله الآخرون عنه، حتى يتحول مع الوقت إلى شخص يعيش حياة لا تشبهه، ولذلك يدعو الكاتب إلى استعادة القرار، لا بوصفه تمردا على العالم، بل مصالحة مع النفس، فالحرية الحقيقية تبدأ عندما يدرك الإنسان أن أهم صوت يجب أن يسمعه هو صوته الداخلي.

 

ويحاول المؤلف أن يحرر القارئ من وهم انتظار اللحظة المثالية، فلا وجود لوقت مناسب يبدأ فيه الإنسان حياته، ولا لظروف كاملة تسمح بتحقيق الأحلام، فالوقت المناسب هو الآن، والخطوة الصغيرة التي تؤجلها اليوم قد تصبح غدا الفرصة التي ضاعت إلى الأبد، ولذلك يكرر الكاتب، بأسلوب هادئ، أن النجاح ليس قفزة واحدة، بل تراكم يومي من المحاولات والانتصارات الصغيرة التي لا يراها أحد.

 

وفي أثناء رحلته مع القارئ، يتوقف الكتاب كثيرا أمام فكرة الخوف، ليس باعتباره عدوا خارجيا، وإنما سجنا يبنيه الإنسان بنفسه. فالخوف من الفشل، أو من النقد، أو من خسارة ما يملكه، يجعل كثيرين يعيشون نصف حياة، ويتخلون عن أحلامهم قبل أن يمنحوها فرصة واحدة، وهنا لا يطالب الكاتب بإلغاء الخوف، لأنه شعور إنساني طبيعي، بل يدعو إلى السير رغم وجوده، فالشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على عدم الاستسلام له.

 

كما يمنح الكتاب مساحة واسعة للحديث عن الثقة بالنفس، لكنه يرفض الصورة السطحية التي تقدمها بعض كتب التنمية البشرية، والتي توحي بأن تكرار العبارات الإيجابية يكفي لتغيير الواقع، فالثقة في رؤية فونياري، لا تولد من الكلمات، بل من الأفعال، وكل إنجاز صغير يضيف حجرا جديدا إلى بناء الشخصية، حتى يصبح الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الحياة دون خوف أو تردد.

 

ويبدو واضحا أن المؤلف يكتب من واقع تجربة إنسانية أكثر من كتابته من خلفية أكاديمية، فهو يعتمد على لغة بسيطة، وصور قريبة من الحياة اليومية، وحكايات قصيرة تحمل في داخلها حكمة مباشرة، وهذا ما يجعل الكتاب قريبا من القارئ العادي، الذي لا يبحث عن النظريات النفسية المعقدة، بل يريد كلمات تمنحه دفعة إلى الأمام في لحظة تعب أو انكسار.

 

وتاتي الرؤية النقدية: غير أن هذه البساطة نفسها قد تثير بعض الملاحظات النقدية، فالكتاب يميل إلى الخطاب التحفيزي أكثر من ميله إلى التحليل العلمي، ولا يقدم أدلة بحثية أو نماذج نفسية تدعم أفكاره بصورة منهجية، كما أن بعض الرسائل تتكرر بأشكال مختلفة، وهو ما قد يشعر القارئ المتخصص بأن العمل يعتمد على التأثير الوجداني أكثر من البناء الفكري، إلا أن هذا لا ينتقص من قيمته ككتاب يخاطب عامة القراء، لأن غايته الأساسية ليست تقديم نظرية جديدة، بل إيقاظ الإرادة الإنسانية.

 

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب أنه يربط النجاح بالسلام الداخلي، فلا معنى لإنجازات خارجية يعيش صاحبها قلقا دائما أو حربا مع نفسه، ولهذا يدعو القارئ إلى التصالح مع أخطائه، وعدم تحويل الماضي إلى سجن دائم، فالإنسان ليس مجموع هزائمه، كما أنه ليس أسير أخطائه الأولى، وإنما هو الكائن الوحيد القادر على إعادة كتابة قصته كلما امتلك الشجاعة لبدء صفحة جديدة.

 

ويقدم فونياري رؤية متوازنة للعلاقة بين الطموح والرضا، فهو لا يدعو إلى القناعة التي تقتل الأحلام، ولا إلى الطموح الذي يحول الإنسان إلى آلة لا تعرف الراحة، بل يبحث عن نقطة يلتقي عندها السعي بالسكينة، والعمل بالامتنان، والنجاح بالإنسانية، وهذه الرؤية تمنح الكتاب بعدا أخلاقيا يجعله يتجاوز حدود التنمية البشرية التقليدية، ليصبح أقرب إلى فلسفة حياة.

 

لكن ربما تكمن الرسالة الأهم في أن الإنسان لا يحتاج إلى معجزة كي تتغير حياته، وإنما يحتاج إلى قرار، قرار بأن يتوقف عن لوم الظروف، وأن يكف عن انتظار من ينقذه، وأن يفهم أن الحياة لا تمنح مفاتيحها إلا لمن يجرؤ على الإمساك بها، إنها دعوة إلى تحمل المسؤولية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن الهروب قد يؤجل الألم، لكنه لا يصنع مستقبلا.

 

وتاتي الرؤية التتحليلية: أنه بعيدا عن الخطاب التحفيزي الذي يطغى على كثير من كتب التنمية البشرية، يحاول فونياري أن يطرح سؤالا أكثر عمقا: هل المشكلة في الواقع أم في الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع؟ وهنا تكمن قوة الكتاب وضعفه في الوقت نفسه، فقوته أنه يعيد الإنسان إلى دائرة المسؤولية الشخصية، فيرفض ثقافة الضحية التي تلقي بكل أسباب الإخفاق على المجتمع أو الظروف أو الآخرين، ويؤكد أن نقطة البداية الحقيقية تكمن في القرار الداخلي، أما ضعفه فيتمثل في أنه يمنح الإرادة الفردية مساحة قد تبدو أكبر من تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي قد تعيق الإنسان مهما بلغت قوة عزيمته، فالنجاح ليس نتاج الإرادة وحدها، بل هو تفاعل معقد بين الفرصة والبيئة والتعليم والدعم المجتمعي.

 

وفي نهاية كتابه، يغلق القارئ صفحات الكتاب، لكنه يكتشف أن الرحلة الحقيقية لم تكن بين دفتيه، بل داخله هو، يرفع رأسه فيجد العالم كما هو، الشوارع نفسها، والوجوه نفسها، والضجيج نفسه، لكن شيئا واحدا تغير… هو نفسه.

 

وربما، بعد سنوات طويلة، لن يتذكر كل عبارة قرأها في هذا الكتاب، ولن يحفظ كل النصائح التي مر بها، لكنه سيتذكر تلك اللحظة التي أدرك فيها أن أكبر سجن لم يكن الجدران التي أحاطت به، بل الباب الذي ظل مفتوحا طوال الوقت، بينما كان هو يخشى الخروج. وسيكتشف، متأخرا أو مبكرا، أن العمر لا يسرقه الزمن وحده، بل تسرقه أيضا الفرص التي ماتت لأنها انتظرت قرارا لم يأت، وعندها فقط، سيدرك أن أكثر المآسي قسوة ليست أن يفشل الإنسان في تحقيق حلمه، بل أن يشيخ وهو يحمل داخله حلما لم يمنحه فرصة واحدة للحياة.

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

 

العنوان الأصلي Raiso an-tanana ny fiainanao:

العنوان العربي: خذ زمام حياتك

المؤلف: فونياري  ” Voniary ”

الجنسية: مدغشقر

التصنيف: التنمية البشرية – تطوير الذات

لغة النشر: الملغاشية.

الناشر Lulu Press:

سنة النشر: 2020

رقم الإيداع الدولي  : (ISBN) 978-1716933912

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *