عرض كتاب “الاستراتيجية الأمريكية لاحتلال العراق”

يمثل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 واحدة من أبرز المحطات التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين فلم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية انتهت بسقوط نظام سياسي بل كانت بداية مرحلة طويلة من التحولات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي امتدت آثارها إلى العراق والمنطقة بأكملها ويأتي كتاب الاستراتيجية الأمريكية لاحتلال العراق للدكتور راجي يوسف البياتي ليتناول هذه التجربة من منظور استراتيجي يركز على الأهداف الأمريكية ووسائل تنفيذها والعوامل التي ساهمت في نجاح العمليات العسكرية الأولى والتحديات التي ظهرت بعد سقوط بغداد وتبرز أهمية هذا الموضوع في ضرورة التمييز بين التخطيط للحرب والتخطيط لما بعدها فإسقاط نظام سياسي قد يتحقق بالقوة العسكرية خلال فترة قصيرة بينما يتطلب بناء نظام مستقر وإدارة تداعيات الحرب زمنا أطول وإمكانات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة.

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

لماذا كتب هذا الكتاب؟

يركز الكتاب على تفسير الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 بوصفها عملية سبقتها حسابات سياسية واستراتيجية تتجاوز إسقاط النظام العراقي. ويرى طرح الكتاب أن الحرب ارتبطت بأهداف تتعلق بالنفوذ الأمريكي في المنطقة والسيطرة على الموارد والموقع الجغرافي للعراق وإعادة ترتيب البيئة السياسية والأمنية المحيطة به ويتناول المؤلف المبررات التي قدمتها الولايات المتحدة لتسويغ الحرب أمام الرأي العام الدولي في مقدمتها الادعاءات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل وكيف أثارت هذه المبررات خلافات واسعة بشأن شرعية الغزو وتداعياته على النظام الدولي ..كما يناقش الكتاب المرحلة التي أعقبت سقوط النظام العراقي حين واجهت قوات الاحتلال تحديات لم تكن عسكرية فقط، بل امتدت إلى إدارة الدولة وإعادة بناء المؤسسات والتعامل مع الانقسامات الداخلية وتصاعد العنف ..ويخصص الكتاب جانبا مهما من اهتمامه لظهور تنظيم داعش وتوسعه في العراق وسوريا ثم عودة الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري بعد انسحاب قواتها من العراق عام 2011 تحت عنوان محاربة التنظيم ويربط المؤلف بين هذه التطورات وبين البيئة التي تشكلت بعد الغزو وما صاحبها من اضطرابات أمنية وسياسية.

مميزات الكتاب

قراءة الحرب من منظور استراتيجي ومن أبرز الموضوعات التي يطرحها الكتاب الانتقال من وصف العمليات العسكرية إلى محاولة فهم الأهداف السياسية التي تقف خلفها. فالحرب لا تبدأ بالضرورة مع تحرك القوات، بل تسبقها دراسات وتقديرات للمخاطر والمصالح والنتائج المحتملة وتساعد هذه النظرة على فهم العلاقة بين القوة العسكرية والسياسة الخارجية، وكيف يمكن استخدام التدخل العسكري لإحداث تغيير في بنية السلطة داخل دولة أخرى، وما يترتب على ذلك من تحديات تتعلق بالاستقرار وإدارة المرحلة التالية للحرب

العراق وموقعه في الحسابات الأمريكية ويمنح موقع العراق الجغرافي وأهميته النفطية وعلاقاته الإقليمية مساحة مهمة في تحليل دوافع التدخل الأمريكي فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، كما يرتبط أمنه باستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط ومن هذا المنطلق يطرح الكتاب تساؤلات بشأن طبيعة المصالح التي تسعى القوى الكبرى إلى حمايتها، ومدى ارتباط قراراتها العسكرية بمشروعات النفوذ وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية لكن من الضروري التمييز بين التحليل الاستراتيجي وبين اعتبار جميع الدوافع المفترضة حقائق مثبتة، إذ إن تفسير قرار الحرب يتطلب الرجوع إلى الوثائق الرسمية والدراسات التاريخية والأدلة المتاحة ومقارنتها بالتفسيرات المختلفة.

تداعيات الاحتلال على الدولة العراقية لا تتوقف أهمية الكتاب عند لحظة الغزو وسقوط بغداد، بل تمتد إلى ما أعقب ذلك من تحولات في بنية الدولة والمجتمع فإضعاف المؤسسات الأمنية والإدارية وتراجع قدرة الدولة على فرض النظام، إلى جانب الصراعات السياسية والطائفية، ساهمت في خلق بيئة شديدة التعقيد. وأظهرت التجربة العراقية أن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة بناء نظام بديل قادر على تحقيق الأمن والاستقرار وتكشف هذه التجربة عن أهمية التخطيط للمرحلة التالية للعمليات العسكرية، لأن غياب الرؤية الواضحة لإدارة الدولة وإعادة بناء المؤسسات يمكن أن يحول الانتصار العسكري السريع إلى أزمة سياسية وأمنية طويلة الأمد.

ظهور داعش والانحسار يحمل الكتاب عنوانا فرعيا هو داعش.. الظهور والانحسار، وهو ما يوضح أن المؤلف لا يكتفي بدراسة الغزو الأمريكي، بل يتتبع أيضا التحولات التي أدت إلى صعود التنظيم الإرهابي واتساع نفوذه في العراق وسوريا ويشير عرض الناشر إلى أن التنظيم توسع عام 2014 وسيطر على مناطق واسعة، بينها الموصل، قبل أن تتشكل جهود عسكرية دولية لمواجهته، وتعود الولايات المتحدة إلى التدخل في العراق بعد انسحاب قواتها عام 2011 وتبرز هنا أهمية دراسة العلاقة بين انهيار المؤسسات وتصاعد الجماعات المسلحة، دون اختزال ظهور داعش في سبب واحد. فقد تداخلت عوامل سياسية وأمنية واجتماعية وإقليمية في تشكيل البيئة التي سمحت للتنظيم بالتوسع كما يطرح هذا المحور سؤالا مهما حول حدود التدخل العسكري في معالجة الأزمات فالقضاء على السيطرة المكانية لتنظيم مسلح لا يعني بالضرورة انتهاء الظروف التي ساعدت على ظهوره ما لم يصاحبه استقرار سياسي ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع.

القراءة نقدية للكتاب

تتمثل القيمة الأساسية للكتاب في جمعه بين الغزو الأمريكي للعراق وتداعيات الاحتلال وظهور داعش ضمن إطار تحليلي واحد، بما يساعد القارئ على متابعة التطورات المتتابعة بدلا من التعامل معها كأحداث منفصلة ومع ذلك ينبغي قراءة أطروحات المؤلف قراءة نقدية ومقارنتها بمصادر تاريخية وأكاديمية أخرى خاصة عند تناول دوافع الولايات المتحدة أو تفسير نشأة التنظيمات المسلحة فالتحليل السياسي قد يتضمن تفسيرات وتقديرات تحتاج إلى الموازنة بينها وبين الوثائق والشهادات والوقائع المثبتة كما أن التطورات التي شهدها العراق والمنطقة بعد صدور الكتاب عام 2017 تجعل بعض استنتاجاته بحاجة إلى إعادة تقييم في ضوء الأحداث اللاحقة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المهتمين بالعلوم السياسية والاستراتيجية العسكرية والعلاقات الدولية وتاريخ الشرق الأوسط المعاصر كما يفيد طلاب العلوم السياسية والدراسات الأمنية والباحثين في الحروب والتدخلات الخارجية وبناء الدول بعد النزاعات ويمكن أن يستفيد منه الصحفيون والقراء المهتمون بفهم خلفيات الغزو الأمريكي للعراق وتداعياته على الأمن الإقليمي وصعود التنظيمات المسلحة.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

الحروب الكبرى ترتبط بحسابات استراتيجية تتجاوز العمليات العسكرية المباشرة.

الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أحدث تحولات عميقة في الدولة والمجتمع العراقيين.

شرعية التدخل العسكري تظل قضية أساسية في تقييم الحروب الدولية

إسقاط النظام السياسي لا يضمن بناء دولة مستقرة.

ضعف المؤسسات الأمنية والسياسية قد يفتح المجال أمام تصاعد العنف.

ظهور داعش ارتبط ببيئة معقدة من الاضطرابات السياسية والأمنية والإقليمية.

محاربة التنظيمات المسلحة لا تقتصر على العمليات العسكرية بل تتطلب معالجة أسباب عدم الاستقرار.

فهم تاريخ العراق الحديث يحتاج إلى الجمع بين الوقائع والتحليل السياسي والنقد التاريخي.

حقوق النشر

هذا التلخيص هو عمل صحفي تحليلي مستقل يستند إلى المعلومات المتاحة عن الكتاب وموضوعه ويعبر عن رؤية كاتبه وفهمه الشخصي للأفكار والمضامين الواردة فيه ولا يعد تلخيصا رسميا أو إعادة إنتاج لمحتوى الكتاب الأصلي كما لا يعبر عن رأي مؤلفه أو ناشره وقد أعد بغرض التحليل والنقد والتفسير في إطار العمل الصحفي والثقافي مع الالتزام باحترام حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر وجميع الحقوق المتعلقة بالكتاب الأصلي محفوظة لأصحابها.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: الاستراتيجية الأمريكية لاحتلال العراق

العنوان الفرعي: داعش.. الظهور والانحسار

المؤلف: د. راجي يوسف البياتي

تاريخ الإصدار: 1 يناير 2017

عدد الصفحات: 283 صفحة

رقم الإيداع: 6542317859

ISBN : 9789777811262

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *